#adsense

معارَضة إيرانية تتطلع إلى القاهرة

حجم الخط

كتبت فرناز فصيحي في صحيفة "وول ستريت جورنال" – ترجمت النص عن الانكليزية نسرين ناضر: انهار حكم الرئيس المصري حسني مبارك في ذكرى الثورة الإيرانية.

إنها مفارقة لم تغب عن بال الإيرانيين الذين يتابعون بهوس الانتفاضة في مصر ويستخلصون عوامل التشابه مع الانتفاضتَين الشعبيتين في بلادهم، أي الثورة الإسلامية عام 1979 والاحتجاجات المؤيّدة للديموقراطية عام 2009.

وقد حرّكت مصر، بالنسبة إلى كثر، مشاعر خاماً يعرفها الإيرانيون حق المعرفة: الاعتزاز الذي يولّده تمكين الشعب، وإثارة صنع التاريخ، واستباق ما يمكن أن يحمله الغد.

لكن عدداً كبيراً من الإيرانيين يفكّر أيضاً بحذر في أن ما يحصل الآن في مصر مهم بقدر النصر الحالي. هل ستفي الثورة بوعودها؟ أم ستضل السبيل؟
بثّ التلفزيون الرسمي الإيراني خبر استقالة مبارك تحت عنوان "بين ثورتَين: إيران 1979 ومصر 2011".

وعرضت الشاشة المقسومة إلى نصفَين صور الاحتجاجات ضد مبارك في القاهرة والاحتجاجات ضد الشاه في طهران قبل ثلاثة عقود، مع تمرير مقاطع من خطب ألقاها كل من الرئيس المصري والشاه الإيراني فيما كانا يحاولان التمسّك بالسلطة في أيامهما الأخيرة.

ومثلما انصبّ غضب المصريين على مبارك، كان الشاه هدفاً لغضب الإيرانيين. وعلى غرار مبارك، انطبعت نهايته بسلسلة من التنازلات ووعود الإصلاح التي قُطِعت على عجل.

وَعْد الديموقراطية والحرّية هو الذي زرع بذور الثورة الإيرانية عام 1979 التي أدّت إلى إطاحة الملكية الديكتاتورية للشاه محمد رضا بهلوي. وكان الإسلاميون بقيادة آية الله روح الله الخميني بمثابة مظلّة لخليط من المعارضات الأخرى – من العلمانيين إلى الشيوعيين – لكنهم انتصروا في النهاية. فقد حقنوا البلاد شيئاً فشيئاً بالإسلام، وطبقة تلو الأخرى.

كنت صغيرة عندما أعلنت الثورة الإسلامية النصر في إيران قبل 32 عاماً في مثل هذا الشهر. لكن ذكرياتي واضحة جداً، ولعل السبب هو أنه حتى الولد الصغير يعرف متى تكون للأحداث من حوله أبعاد تاريخية.

على غرار مشاهد البهجة العارمة في ميدان التحرير في القاهرة يوم الجمعة [11 شباط] حيث راحت الحشود تقفز فرحاً وتلوّح بالعلم المصري، انفجرت مشاعر مماثلة في مختلف أنحاء إيران.

بُثَّ إعلان عبر التلفزيون، فعلت الهتافات وصيحات التكبير في حيّنا. وأخرج أفراد عائلتي رؤوسهم من نافذة الشقّة التي كنّا نعيش فيها، وراحوا ينشدون الأغنية القومية Ey Iran بأعلى صوتهم ويلوّحون بحماسة شديدة بعلم عملاق.

نزلوا سلالم المبنى وهم يقفزون فوق كل ثلاث درجات معاً، وأنا وشقيقتي نركض وراءهم، للرقص في ساحة ولي العصر التي كانت ولا تزال تشكّل النقطة المحورية لكل التظاهرات في طهران. نزل سكّان الحي بكاملهم إلى الشارع، وراحوا يقفزون. أتذكّر أن الدموع انهمرت على وجنتَي عمّي، ومشهد جدّتي وهي توزّع سكاكر الكراميل الملفوفة بغلاف رقيق زاهي الألوان.

في الأعوام التالية، عندما رسمت الثورة مسارها، غادرت عائلتي إيران واستقرّت في الولايات المتحدة.
وبعد ثلاثة عقود، لا تزال إيران تتخبّط لإيجاد سبيل لدمج الديموقراطية مع الدين والأيديولوجيا. لدى الإيرانيين آراء متباينة حول أداء الثورة وما إذا كانت قد وفت بوعودها.

يؤكّد النظام أن الجمهورية الإسلامية خرجت بعد ثلاثة عقود أقوى مما كانت عليه في ظل الشاه، وتمارس تأثيراً في السياسات من أفغانستان إلى لبنان.
وقد اعتبر المسؤولون الإيرانيون علناً أنهم أصحاب الفضل في إلهام ما يسمّونه "صحوة إسلامية" في الشرق الأوسط. وهو توصيف يرفضه الناشطون الإسلاميون المصريون وحتى الأحزاب الإسلامية المعارضة.

كتب عطاء الله بيغلاري في عموده على موقع "رجانيوز" الإلكتروني أن "الإسلام سيؤدّي بلا شك دوراً كبيراً في مستقبل مصر، وسوف نتطلّع إلى بناء علاقات وثيقة مع إخواننا المصريين".

وكتب أحد قرّاء صحيفة "كيهان" المحافظة المتشدّدة ويدعى علي مرداني في صفحة التعليقات "ينبغي على الشعب الإيراني أن يمجّد الله لأن ثورته مهّدت الطريق لدول أخرى كي تنتفض على الديكتاتوريين".

لكن مشاعر مختلفة تراود عدداً كبيراً من الإيرانيين ولا سيما مؤيّدي "الحركة الخضراء" المعارضة التي يتزعّمها الثوريان السابقان مير حسين موسوي ومهدي كروبي.

قال لي كروبي في مقابلة أجريتها معه في منزله العام الماضي "ما لدينا الآن باسم الثورة لا هي جمهورية ولا هي إسلامية".

عند إعلان الثورة المصرية النصر يوم الجمعة [11 شباط]، كتبت سحر مقدم، وهي أميركية من أصل إيراني تعيش في واشنطن، على صفحتها على موقع "فايسبوك": "التخلّص من ديكتاتور أمر جيد، لكن الأهم هو التأكّد من عدم حلول ديكتاتور ثانٍ مكانه".

وأوجز الدكتور شابنام صالح زاده في نيويورك الوضع قائلاً "المفارقة التي كشفتها الأحداث الأخيرة تجعلني أدمع. اليوم ليس الشعب الإيراني حراً حتى ليشاهد التاريخ المصري وهو يُصنَع، وذلك بسبب حظر التغطية والرقابة عليها".

أنعشت الأحداث في تونس والقاهرة "الحركة الخضراء" المعارضة، ويقول أنصارها إن سقوط مبارك يمكن أن يُستخدَم بمثابة نداء أخير للتحرّك. ليس واضحاً مدى انتشار تلك المشاعر، لكننا سنشهد اختباراً لها يوم الاثنين.

فقد تقرّر تنظيم تظاهرات حاشدة مناهضة للحكم في مختلف أنحاء إيران تضامناً مع بداية ديموقراطية جديدة في الشرق الأوسط. وقد تعهّدت الحكومة منعها بحجّة أنها تولّد انقسامات بين الناس. حتى مكان التجمّع يحمل الاسم نفسه. فالمصريون يحتشدون في ميدان التحرير، وسوف يتوجّه الإيرانيون إلى ميدان آزادي أو الحرية.

تعيدني مشاهد الاحتفالات العارمة إلى عام 1979، لكن مطالب المتظاهرين المصريين تعكس ما سمعته في شوارع طهران في ربيع 2009 عندما غطّيت الانتخابات وما تلاها من أحداث. فعلى غرار المصريين، هتف الإيرانيون للديموقراطية وحرية التعبير ومجتمع أكثر انفتاحاً. قد تصبح مصر التي يتمتّع سكّانها بالدينامية والتنوّع وتملك روابط اقتصادية عميقة مع المجتمع الدولي، دولة ديموقراطية. ويمكن أن تؤثّر تلك النتيجة في إيران.

تقرّ المعارضة بأنها تواجه تحدّيات هائلة. فقبل كل شيء، ليس لديها هدف واضح: هل تريد إصلاح النظام القائم، كما يقول الحرس القديم، أم تعديل المنظومة بكاملها كما يطالب الناشطون الشباب؟

وتواجه أيضاً نظاماً أظهر حزماً في قمع المعارضة واتّخذ إجراءات استباقية تحسّباً للتظاهرات المناهضة للحكم. فقد نشر حرس مكافحة الشغب في طهران، وفرض الإقامة الجبرية على كروبي وأوقف على الأقل ست شخصيات معارضة مرموقة.

يقول كريم سادجادبور، الخبير في الشؤون الإيرانية في مركز كارنيغي للسلام الدولي "ثمة اعتقاد بأن مصر وإيران هما الدولتان الوحيدتان الحقيقيتان في الشرق الأوسط، والبقية مجرد ‘قبائل تملك أعلاماً’. إذا تمكّنت مصر من إرساء حكم تمثيلي – ولا تزال هناك نقطة استفهام كبيرة حول الموضوع – يمكن أن تُحدِث تغييراً دراماتيكياً في الديناميات الإقليمية التي سادت في العقود الثلاثة الماضية".

يرقد جثمان شاه إيران في القاهرة داخل مسجد الرفاعي التاريخي. لقد توفّي في المنفى بعد وقت قصير من الثورة. يرفرف علم إيراني عملاق فوق بلاطة ضريحه المصنوعة من الرخام الفاخر وقد حُفِر عليها الرمز الفارسي القديم المتمثِّل بالأسد والشمس. لم يكن أحد ليتخيّل أنه بعد ثلاثة عقود من سقوطه، سوف تنشأ معارضة إيرانية وتتطلّع إلى القاهرة كي تمهّد الطريق لإيران ديموقراطية.

(صحافية أميركية من أصل ايراني، تكتب في صحيفة "وول ستريت جورنال" – ترجمت النص عن الانكليزية نسرين ناضر)

المصدر:
النهار

خبر عاجل