#dfp #adsense

شريعة الغاب

حجم الخط

يشير الفارابي في حديثه عن مضادات المدينة الفاضلة، الى ما يسمَيه آراء فاسدة في الأجتماع الأنساني، وفي مقدَمتها شريعة الغاب. هذه الشريعة التي تتقاطع مع ما قاله الفيلسوف الجرماني "نيتشه" من أنَ الحياة ميدان صراع، الغلبة فيه للأقوى، ومع ما جاء على لسان المفكَر "هوبز" من أنَ الأنسان ذئب على أخيه الأنسان.

كلَ ذلك للوصول الى الأستنتاج الاتي: الحق للقوة. ما يذكَرنا باستهلال أحدى حكايات "لافونتين" والتي يسوقها على ألسنة الحيوانات، من أنَ رأي الأقوى هو السائد دائما. كنَا نظنَ أنَ ما ورد في المقدَمة قد طواه التاريخ، عندما تمَت النقلة النوعية من مجتمعات التخلّف الى عصر الدولة وعهود التنوير. فدورة الحضارة وجهتها "أماميَة"، ولا يمكن أن تعود الى الخلف. لكنَ الوقائع المعيوشة تثبت بما لا يقبل الجدل، أنَ النظريَات المبهجة تبقى في غالبها مجرَد بنات فكر تدغدغ الآمال، من دون أن تحظى بفرصة تحولَها الى أسلوب عيش أختباري. وأذا تمَ لها نصيب خروجها الى حيَز التطبيق، فالأنقلاب عليها سريع الخطى.

وكأنَ بعضهم يتوق الى جذوره الغريزية، ويفضَل تجربة "قايين" على ما أنتجته الثورات الحديثة من أنظمة الحرية والعدالة والمساواة. انَ الديمقراطية وجب أن تكون الأرقى بين الأنظمة، لأنَها تقدَس أرادة الشعب. فالسلطة تنبثق عن هذه الأرادة، وتحكم انطلاقا من مصلحة المجموع. وهي النقيض الحتمي للقمع وفرض الرأي الأوحد الأقوى، ما يعني أختزالا للكل في الجزء، وهذا ممكن أذا كان الجزء "فاجرا". عندها يتحوَل الظلم حقا، والباطل هديا، والقهر طوباوية. وتسود سياسة الجبر، وصيغة الموافقة غيبا، واستساغة طعم الوحل. ويصبح هذا الجو هو القاعدة التي تفسَر على أساسها طبيعة وجود الأنسان، أي طبقية القوة.

انَ ما تمَ ويتمَ لا يمكن أيجاد تبرير له ألاَ استنادا الى حيثية " شريعة الغاب". وقد تبنَاها المستقوون من واقع المواجهة التاريخية بين الأنسان القديم الأعزل وبين الحيوانات المفترسة التي تمتَعت بالجوارح، كالمخالب والأنياب، اذ أفرز الصراع بين الجانبين نتيجة محسومة لمصلحة الضواري. وهكذا، يتعامل بعضهم في لبنان مع بعضهم الآخر، بمنطق الضواري. هذا المنطق الذي يتنافى بالكامل مع مفهوم الرأي والرأي الآخر، لا بل مفهوم الوجود والوجود الآخر. فأضحى اللبنانيون رهائن معتقل واسع، يخشى معه الوصول الى حال أحصاء رفَات العيون وتحديد كميَة الأوكسيجين التي يسمح بتنشَقها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل