رَحِم الله الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين.
يوماً بعد آخر، نكتشف مآثره وبُعد نظره ونقاء شعاره وصدق مقاصده وصواب أحكامه ودقّة الاستشراف لديه.. ومدى ركونه الى مسلّمات تربط الشأن المذهبي بالمصلحة العربية العليا!
واحدة من أبرز وصاياه، كانت دعوة الشيعة العرب الى الحفاظ على أوطانهم والابتعاد عن وهم الخصوصية أو افتراض القدرة على تحسين تلك الأوضاع من خلال تشليع كياناتهم الوطنية أو ضرب تماسك مجتمعاتهم.. أو من خلال الافتراض، أن الركون الى قوة خارجية تحت ستار وشعار ديني مذهبي، يمكن أن يستقيم مع متطلبات الانتماء الوطني الخالص أو مع الدعوات الى رفع ضيم ما أو إجحاف مفترض، مهما كانت تلك الدعوات مشروعة أو مُحقّة.
لا يستقيم الأمر مع نقيضين. الارتباط بمدى خارجي يلغي مشروعية أي مطالبة داخلية.. ومن بديهيات الأمور إقامة ذلك التوازن الدقيق بين المحافظة على السلم الأهلي والوحدة الوطنية والتزام الأطر الشرعية والدستورية الصحيحة، وبين طرح أي مطلب سياسي أو اجتماعي. الخلل الأول في هذه المعادلة مدمّر لصاحب الطلب قبل صاحب السلطة. وبدلاً من الوصول الى سوية إصلاحية داخل الكيان تكون النتيجة تدميراً استثنائياً لذلك الكيان، عدا تحويله من إطار جامع الى مشروع مقابر متنافرة!
ولا يمكن أي مراقب، بعيد أو قريب، إلا أن "يلاحظ" ذلك التزامن بين الطموحات الإيرانية العابرة للحدود وبين التحركات الميدانية في أكثر من دولة عربية.. وبغضّ النظر عن تفاصيل التحركات المطلبية في البحرين، فإن إشعال الحساسية المذهبية هناك لا يمكن إلا أن يصبّ في سياق تلك الطموحات، تماماً كما هو الحال مع الارتباطات الممتدة من الهزارة والطاجيك في أفغانستان الى "حزب الله" في لبنان مروراً بالشأن العراقي والحوثيين في اليمن، وغير ذلك من تفاصيل وشائج في دول أخرى تعتبر الجمهورية الإسلامية الإيرانية أنها كلها جزء من شعاعها شاء المقصودون بذلك أم أبوا.
وليست البحرين، مصر ولا تونس. و"المشكلة" فيها سابقة عمّا حصل فيهما. المتحركون المعتصمون في شوارع المنامة وأحيائها وجوارها يعرفون ذلك قبل غيرهم. ويعرفون بالتالي مدى حساسية المناخ المهيمن في المنطقة المحيطة، ولا يمكن أن يقتنع أحد اليوم، أن ما يجري هو ترجيع صدى لما حصل في ذينك البلدين العربيين. بل كثيرون يفترضون أن ذلك التحرك يعتمد التمويه في توقيته وشعاراته.
ومرة أخرى، لا يستطيع أحد أن يوصم الإمام شمس الدين بأي نقيصة في مبادئه وإيمانه وإسلامه وشيعيته، ومع ذلك فإن جزءاً أساسياً من وصاياه المعروفة، إنما كان موجهاً الى أهل "المعارضة" البحرينية قبل غيرها. لأنه كان يعرف بدقّة نوع الطموحات الإقليمية المجاورة، وكان يهلع فزعاً من إمكان دخولها في مدار التطبيق في تلك الدولة أو في غيرها، حيث لا مجال لذلك إلا بالحروب الأهلية الطائفية أو المذهبية أو العرقية أو السياسية. ولذلك رفضها وحكى ما حكاه واعظاً ومرشداً وناصحاً صادقاً لوجه الله تعالى!
.. ثم متى كانت وحدة المسلمين وصون دمائهم وحفظ النظام الوطني العام أرخص من مطالب محدّدة مهما كانت محقّة.. متى كانت الفتنة المذهبية طريقاً إصلاحياً!؟
ومنذ متى أصبحت تلك الفتنة جواز مرور المسلمين الى عالم اليوم؟! أي عالم هذا!