ما لن يدركه حزب السلاح أنه كان دائماً في خطبه وأفعاله أفضل محفّز للبنانيين كي يكونوا الى جانب قوى 14 آذار، حتى عندما تكون تلك القوى ليست مع نفسها.
ما لن يدركه حزب السلاح "الحاكم" أن إدارته لتشكيل الحكومة العتيدة، ليست سوى تقويضاً لمعنى "الحكومة"، على نحو يكمل فيه هذا الحزب تخريب الدولة من جهة، وحرق أي فرصة مستقبلية للتعايش بينه وبين الجماعات اللبنانية الأخرى. ليقف بعدها وحده، عارياً، بلا أي حضن وطني يحميه من الملّمات.
ما لن يدركه وكيل الوصاية الإقليمية أنه بالحماقات السياسية اليومية، التي يرتكبها بفعل المكابرة والعناد، انما يذهب سريعاً الى الكارثة. فالذي يفرّط بالكيان والأمن والدولة، وبديهيات العيش المشترك، وأسس الصيغة وروح الميثاق ونصوص الدستور، والأعراف، لن يجد في السلاح سوى معدن ثقيل الحمل.. وسيكون مشهده في المخيلة العامة كمشهد ميليشيوي يتباهى ببندقيته وسط المارة الذين يرمقونه بنظرة الاستياء.
حزب الله على وشك ارتكاب الخطيئة القديمة ذاتها، فكما لم تكن "طريق فلسطين تمر في جونية"، لن تمرّ "طريق السلاح في بيت الوسط". فهكذا طريق، وإن بدت مغرية وتوهمها البعض سهلة، فهي بالتأكيد لا تؤدي إلا الى الهاوية والتهلكة، كما علمتنا التجارب.
ما سيندم عليه حزب الله، بعد فوات الأوان، أن 14 آذار تركت "الثورة" بحثاً عن تسوية، وتركت برنامجها بحثاً عن حوار، وتركت شعاراتها بحثاً عن وفاق، وتركت أغلبيتها بحثاً عن إجماع، وتركت سلطة بحثاً عن دولة جامعة… فما كان منه إلا أن أفشل عمداً فرصة تاريخية للمصارحة والمصالحة، كانت ستجعله ركيزة أساسية في حياة لبنان السياسية لأمد طويل.
هذا الحزب البارع في تضييع الفرص، بارع أيضاً في تمكين 14 آذار من نفسها مجدداً.
لا يسع "الحزب الحاكم"، الشغوف بقطع الأيدي والألسن، بسبب تركيبته الذهنية وعقيدته، سوى مقاتلة السياسة وإعطابها، إن احتقاره مبدأ التفاوض والمساومة والروح التسووية، ومقته الديبلوماسية واستهزاءه بالأصول الديموقراطية واستئناسه المعاركة، وميله الدائم للاستئثار بالصواب، وجنوحه المستمر الى الفرض والاستبداد والتنكيل والتهويل، واستسهاله أسلوب "الاغتيال" السياسي واستخفافه بشركائه في الوطن (وهل يطيق أصلاً مفهوم "الشراكة"؟) ولجوءه الى الأساليب العنفية، الرمزية منها والعيانية، وتوثبه الموتور نحو الحرب في كل حين، غير عابئ بما يترتب على مغامراته من أكلاف لا تطاق.. كل هذا لا بد وأن يدفع اللبنانيين الى وجهة، أقل ما يقال فيها إنها ستكون مناقضة لشروط استمرار هذا الحزب في الحياة السياسية اللبنانية، طالما أنه أثبت "بالدليل الشرعي" استحالة التعايش بين سلاحه والنظام الديموقراطي.
كل ما فعله هذا الحزب سابقاً، وما يقدم عليه راهناً، يرفع منسوب الخصومة الى مصاف العداوة المستفحلة، ويرفع منسوب التوترات الى مستوى الفتنة المميتة، ويرفع منسوب الاختلاف الى سوية القطيعة.
بهذا المعنى بات يشكل "حزب الله" خطراً على الكيان اللبناني، ليس فقط في مسألة الحرب والسلم، ولا في مصير النظام الديموقراطي، ولا في مضمون سيادة الدولة، لكن ايضاً في تهديده الحريات العامة والفردية ونمط العيش اللبناني وخياراته الثقافية ومنظومة قيمه.
لذا، فإن حزب السلاح يجبر اللبنانيين اليوم، ومجدداً على الخروج إلى 14 آذار جديدة لا تعرف المساومة ولا تأمن المفاوضة.