يعيش العالم العربي وأنظمته منذ الحرب العالميّة الأولى في ظل الخريطة الأولى التي رسمت ظلالها في اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، سقطت الخلافة العثمانية وتوزّعت المنطقة حصصاً على أوروبا تمهيداً لتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، واستمر الأمر للانتداب حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية والتي فتحت بوابة الإعلان لقيام دولة إسرائيل، كلتا الحربين استدعت تغييراً في الأنظمة، وها نحن على أعتاب المرحلة الجديدة: «إعلان الدولة اليهوديّة»، هذا هو الاسم الآخر للشرق الأوسط الكبير أو الجديد، المهم أنّ هذا التغيير العاجل في لعبة «دومينو» الأنظمة ستُفضي إلى منطقة «طائفيّة» و»عرقيّة» تسهّل ولادة «الدولة اليهوديّة»!!
انتهى العمر الافتراضي لخريطة المنطقة، وحان وقت إخراج الخريطة الجديدة، ومصير الثانية كالأولى وهو التنفيذ مهما كابرت الأنظمة ورفضت الشعوب، فقد نشرت مجلة روز اليوسف نقلاً عن صحيفة »جلاسكو هيرالد« الاسكتلندية في تقرير لأحد الباحثين المهتمين بشئون الشرق الأوسط ومصر والعرب عن خطة بعيدة المدى نسجت خيوطها داخل وكالة الاستخبارات الأميركية »CIA« ووزارة الدفاع الأميركية – البنتاغون تهدف إلى حصار مصر ثم التهامها عسكريًا، وأن الولايات المتحدة بدأت تنفيذ المخطط منذ ثلاث سنوات من خلال سعيها لاحتلال إقليم دارفور غرب السودان دوليًا وعسكريًا من خلال نشر قوات أميركية بريطانية مدعومة بقوات من الأمم المتحدة حليفة لواشنطن مشيراً إلى أن هذا المخطط يستهدف تحويل إقليم دارفور إلى قاعدة عسكرية أميركية تنتشر بها صواريخ بعيدة ومتوسطة المدى موجهة ناحية مصر ودول الشمال الأفريقي ومنطقة الخليج وإيران .
عام 2006 نشر العميد رالف بيترز مقالاً في مجلة القوات المسلحة الأميركية بعنوان «حدود الدم» حدد فيه ملامح خريطة شرق أوسطية جديدة، حيث يفترض التقرير أن الحدود بين دول المنطقة غير مكتملة وغير نهائية خصوصًا في قارة أفريقيا التي تكبدت ملايين القتلى وبقيت حدودها الدولية من دون تغيير وكذلك الشرق الأوسط الملتهب، حيث شكّلت الحدود أثناء الاحتلال الفرنسي والبريطاني لهذه الدول في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
وقد تم تبرير التقسيم المخطط له بسبب عدم إدراكهم لخطورة تقسيم القوميات على جانبي الحدود وإن كان التقسيم كما يعلم الجميع تخطيطاً متعمداً لضمان نشوب الصراعات بين الدول مستقبلاً وهو ما حدث حيث فشلت الدول الأفريقية الحديثة في نزع فتيل الحرب بين بعضها البعض واستنزفت في ذلك مواردها القليلة وفي النهاية عادت إلى الدول الأوروبية التي كانت تحتلها من قبل لفرض النظام والأمن وهو ما يعني مجدداً احتلالاً بصورة مقنعة.
وفي تفاصيل خريطة الدم التي تحدد معالم الشرق الأوسط الجديد يتم تجميع الفلسطينيين في كيان مستقل واليهود في كيان آخر، حيث ستنشأ دولة جديدة تضم الأردن القديم وأراضي من السعودية وربما من فلسطين المحتلة تضم كل فلسطينيي الداخل وفلسطينيي الشتات وتسمّي الأردن الكبير ويستولي الكيان الصهيوني على باقي أراضي فلسطين، أما غزة فسيتم ضم أجزاء كبيرة إليها من سيناء قد تصل إلى نصف سيناء، وأن عدداً من الدول العربية ستقع ضمن هذا المخطط الجديد باقتطاع أجزاء منها بالإضافة إلى دول إسلامية منها إيران وتركيا وباكستان وأفغانستان وغيرها على أن تكون هذه الكيانات الجديدة بالطبع موالية للغرب ولأميركا.
وبالنسبة إلى السودان، فقد بدأت الخطة مبكرا حيث تم فصل الجنوب عن الشمال ويتم العمل حالياً على فصل الشرق عن باقي السودان لتنشأ بالتالي ثلاث دويلات تتحكم فيها أميركا.. ففي الجنوب دولة مسيحية تدين بالولاء للغرب عقيدة واستراتيجية ويمكنها التأثير في المياه التي تصل إلى شمال السودان ومصر، وأما شرق السودان فالمؤشرات تؤكد أنه بحيرة من البترول ولا يمكن للغرب أن يتركه في أيدي حكومات تناصب الغرب العداء وتعمل على تنشيط علاقاتها مع الصين وروسيا.
والهدف من الخطة الأميركية ـ بحسب التقرير ـ هو تصفية القضية الفلسطينية على حساب الدول المجاورة ومن دون المساس بإسرائيل وضمان ولاء الدول الجديدة لأميركا وضمان ولاء الدول التي سيتم استقطاع أجزاء من الدول المجاورة إليها لأميركا وإسرائيل معاً. وبذلك تضمن الإدارة الأميركية والإسرائيلية شرق أوسط جديدا يحقق الأهداف الأميركية والإسرائيلية في السيطرة على موارد وثروات المنطقة وتضمّن في الوقت نفسه وصول الإمدادات البترولية والغاز إليها من دون تهديدات أو مخاوف من قطعه كما حدث في حرب أكتوبر وضمان الأمن والأمان للكيان الصهيوني بعد عملية الفك وإعادة التركيب للدول المحيطة بها.
أمّا الدول المستهدفة بالتقسيم والاستقطاع فهي إيران، تركيا، العراق، السعودية، وباكستان، وسورية، والإمارات، ودول ستوسع لأغراض سياسية بحتة اليمن والأردن، وأفغانستان.
لماذا يتم عرض هذه الخريطة الآن؟ ما هو الغرض من عرضها بموقع عسكري أميركي رسمي؟ بالتأكيد أنها باتت على وشك الانتهاء من تنفيذها، الأمر الوحيد المقلق أن التقرير والخريطة والاستقطاع والتكبير والتصغير لم يأتِ حتى على ذكر دولة وأرض اسمها لبنان، وهذا وحده يثير علامات استفهام كثيرة وكبيرة عن مصيرنا في منطقة تتغير كما الرمال المتحركة!!