ما هو اخطر وادهى في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان الحديث، ان تنبري جماعة لبنانية من داخل البيت اللبناني لتعمل على تقويض اركان ومرتكزات الدولة والنظام والثوابت التاريخية التي بني عليها الوطن والتي ميزت صيغته المميزة وفرادة رسالته عبر العالم والتاريخ من ارض للحريات ومثال للديمقراطية ومهد للحوار بين الحضارات والثقافات والاديان والمعتقدات. وهذه الجماعة وباسم التغيير وباسم المقاومة وباسم الاصلاح تقضي على مبررات وجود لبنان وعلى تألف وتوافق ابنائه وسلمه الاهلي ووحدة رؤية شعبه وفعالية مؤسساته الدستورية والشرعية كافة.
يقول "ليفي" في كتابه "تاريخ روما": "ان افضل دواء للذهن المعتل دراسة التاريخ لانها تقدم العبر والتحذيرات ". فنعتقد صادقين بانهم في "8 اذار"، وفي طليعتهم حزب الله والعماد عون، باشد الحاجة للعودة الى التاريخ لان عبره وتحذيراته كفيلة – اذا ما انصتوا اليها – بأن تريهم اي طريق من طرق الضلال هم فيه اليوم واي درب من دروب السقوط المريع يتجهون صوبه في هذه اللحظات.
فالايجابية الوحيدة في ما يقوم به الانقلابيون اليوم تكمن في انهم، ومن افواههم واقوالهم، يدينون انفسهم ويدينون "بلطجتهم " التي مارسوها طوال المرحلة السابقة منذ اتفاق الدوحة ولغاية يوم الانقلاب الاسود يوم تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، بمجرد انهم يرفضون منح "14 اذار" اليوم ما كانوا حصلوا هم عليه سابقا بقوة السلاح والضغط والاكراه وباطروحات الميثاقية والديمقراطية التوافقية وسواها من نظريات اتحفونا بها يومها والتي يتنكرون لها اليوم ويرفضونها للفريق الاخر لانه مخالف – كما يقولون اليوم للدستور والديمقراطية والاصول – فادانتهم لانفسهم واضحة واقرارهم بأنهم تلاعبوا بالشعب وبمقدرات البلاد وبمؤسسات الدولة ومكتسبات الوطن ونصوص الدستور والحقائق من اجل اشباع نهجهم الوصولي والاستيلائي والقمعي على السلطة ومن اجل منع "14 اذار" الاكثرية الموصوفة والدستورية والقانونية والشرعية الوحيدة من الحكم ومن تطبيق برنامج حكمها – ولو بقوة السلاح – ولو على حساب الحق والنظام والديمقراطية.
فاقرارهم ببطلان كل ما فعلوه سابقا، احد ابرز سمات زمنهم الحاضر وهي الايجابية الوحيدة المدعوة قوى "14 اذار" على البناء عليها وحفظها لهم لجولات مقبلة من المعارك الديمقراطية باذن الله.
فحكومة اللون الواحد اليوم باتت امرا دستوريا وديمقراطيا…
والثلث المعطل بات اليوم هرطقة وشلل للحكومة…
والديمقراطية التوافقية باتت اليوم مصطلحا تعداه الزمن لان المطلوب ممارسة ديمقراطية من يحكم ومعارضة تعارض… فيا سبحان الله الذي يغير ما في النفوس… تبعا للظروف… ومع ذلك يريدوننا ان نؤمن بمصداقيتهم وبصدق اهدافهم ومراميهم…
اما ما عدا الايجابية اعلاه، فاننا حاليا امام مشهد من الفحش السياسي المتفلت من اي ضوابط في ظل اكثرية "صورية " تشكلت تحت الضغط والاكراه في الربع الساعة الاخيرة من يوم تكليف الرئيس نجيب ميقاتي – تدعي تمتعها بصلاحيات اشبة بصلاحيات رئاسية مطلقة في تعيين من تريد وفرض من تريد من وزراء على رئيس الجمهورية والرئيس المكلف في ان.
وفي هذا الاطار لا بد من تسجيل الاتي:
اولا: ان الاكثرية الدستورية وان كانت قد اصبحت بحكم قوة الامر الواقع واكراه السلاح والقمصان السود في يد قوى "8 اذار" – الا ان هذه الواقعة لا تنفي ولا تلغي حقيقة ان الاكثرية في "14 اذار" وقوى ثورة الارز لا تزال شعبيا الى جانبهم لان الناخب الذي صوت للنائب الذي تحول الى الضفة الاخرى – صوت له على برنامج ومشروع مناقض تماما للمشروع الذي يقف هذا النائب او ذاك اليوم في ضفته – وبالتالي فاننا لا نرى ما يدعو للنشوة والفرح لدى الحزب والجنرال وحلفائهم بما انجزته اساليبهم القهرية من بلطجة لا ديمقراطية ولا دستورية ولا شرعية وفاقدة لمشروعيتها – فاستراق الاكثريات ليس شطارة بل قرصنة – وتزوير التاريخ ليس "بطولة" بل ادانة للمزورين.
ثانيا: شاء من شاء وابى من ابى لا يستطيع لا "حزب الله" ولا الجنرال ولا حلفاءهم التنكر لحقيقة جيو – سياسية واضحة اليوم في الفرز العمودي الداخلي بين اللبنانيين من ان البلاد منقسمة مناصفة حول دور الحزب وسياسته وسياسة حلفائه ولا سيما الجنرال:
فلا مفهومهم للمقاومة موضوع اجماع …
ولا السلاح موضوع اجماع…
ولا مشروعهم المرتبط بمحور اقليمي سوري – ايراني – موضوع اجماع…
ولا سياسات قوى "8 اذار" برمتها موضوع اجماع…
ولا انقلابهم على مقررات طاولة الحوار موضوع اجماع…
وبالتالي، فإن ثمة حقيقة سياسية ينبغي عليهم ان يتوقفوا عندها لانهم لن يتمكنوا ومهما فعلوا من تخطيها… وهي ماثلة امامهم عقبة كعداء لا حل لها الا بعودتهم الى منطق الحوار والى صوت العقل الموزون والوطني البناء والاعتراف بالاخر والاقرار بالحق بالاختلاف… وبطبيعة لبنان وتركيبته التعددية… فعربدتهم السياسية طالت… وقد دقت ساعة الحقيقة مع تحرر "14 اذار" من التزاماتها وثورة الارز من عبء التنازلات التي كادت تخنق امال العودة والانبعاث مجددا… من اجل متابعة مسيرة عبورنا الى الدولة…
ثالثا: ان من يشكل الحكومة هما فخامة رئيس الجمهورية ودولة الرئيس المكلف وفق احكام الدستور – وبالتالي، فإن اي تعدٍ من "حزب الله" او الجنرال او قوى "8 اذار" على هذه الصلاحيات يعتبر استكمالا واضحا ومتماديا في الانقلاب على النظام والدستور – وقد بتنا على قناعة تامة بان فخامة الرئيس ودولة الرئيس المكلف سيتحولان خلال الايام والساعات المقبلة الى هدف مباشر لقوى "8 اذار" ان هما استمرا في التصرف من خارج ارادة الحزب والعماد وبعض الاتباع الذين يرتضون لعب دور شخصية العبد الماكر "دافو" davo في مسرحية "المرأة التي من اندروس" التي كتبها مكيافيللي اواخر عام 1517 اوائل عام 1518 – حيث هذا العبد الذي يجلب السعادة والنجاح لبطل المسرحية عن طريق المكائد التي تساعد البطل في تحقيق غاياته لا يتوانا عن الخوض في ابخس الالاعيب والمناورات والمواقف من اجل اسعاد معلمه.
من هنا، فإن التحدي الكبير الذي يواجهه الرئيسان اليوم هو في مدى تأكيد ثباتهم في وجه الحملات التي بدأت ضدهما من طرف "8 اذار" وفي طليعتهم الجنرال عون – بحيث انهما اما ان يصمدا ومهما كلفهم الامر فتنجح الوسطية في تثبيت ذاتها نهجا ثالثا على ساحة الصراع لتعيد التوازن المفقود بعد انقلاب يوم التكليف – واما ان يخضعا لمشيئة "قراصنة" الديمقراطية والسلطة… وعندها تسقط الدولة على طبق من فضة للانقلابيين… فنكون في ثورة الارز خط الدفاع الاخير عن الاستقلال والسيادة والدولة لانقاذ ما تبقى…
رابعا: اذا كان الشرق الاوسط يشهد انتفاضة شعوبه واسقاط انظمة الحكم التي شاخت، فليكن بعلم الجميع في الداخل بأن مسيرة التاريخ لتلك الشعوب لن تعود الى الوراء وان كان من تغييرات فهي حتما ستكون من هذا النوع الذي لا يناسب من شاب وشب على نهج "8 اذار" ومعلميهم – لان الديمقراطية والعلمانية والحرية – هي الغد وشباب العالم العربي المثقف من تونس الى العراق شباب الانفتاح والتفاعل والتواصل بين الحضارات – فالانظمة الشمولية ساقطة لا محال – فليراجع من يريد ان يتعظ – حساباته قبل فوات الاوان…
اما نحن في لبنان، فخيارنا وثورتنا من اجل الحرية والسيادة والاستقلال عائدة وموعدنا مع جماهيرنا في ساحة الحرية لقريب… وقريب جدا…
فالديمقراطية قدر لبنان وموعده مع الحرية علاقة حب متجددة – تلك الديمقراطية التي تكلم عن نظامها السيد حسن يوما لصديقه الاستاذ كريم بقرادوني بقوله:"… انه (اي النظام الديمقراطي) وعلى كل عيوبه – مكن المقاومة من ان تعمل داخل المجتمع وخارج الدولة بفضل هامش الحريات الواسع – حظ "حزب الله" انه ولد في دولة كلبنان وما كان في وسعه ان يولد الا فيها…".
فنسأل مع السائلين: هل كان حظ الحزب اقل لو ولد في الجمهورية الاسلامية الايرانية؟
لذا يا اخوان حافظوا على لبنان الديمقراطي واحترموا متطلبات ديمقراطيته كي يبقى لكم حظ فيه… وفي نظامه…
