كتبت كلوديت سركيس في صحيفة "النهار": ناقش الأستاذ في القانون الدولي الأب فادي فاضل في دراسة قانونية أعدها تساؤلاً محوره "لو قررت الحكومة اللبنانية وقف التعاون مع المحكمة الخاصة بلبنان"، مشيرا الى أن "الأفرقاء المحليين والإقليميين لديهم الإدراك والاقتناع بأنهم لا يحكمون السيطرة على مسألة إلغاء المحكمة ووضع حدّ لعملها". ويعتبر "أن مجلس الأمن يتمتع وحده بصلاحية إنهاء أعمال المحكمة، عند الاقتضاء، بموجب قرار يستند إلى الفصل السابع يصف عملها ، أو نتائجه، على أنه تهديد للسلم والأمن الدوليين، وهو احتمال شبه مستحيل". ويقول "إن المحكمة ستصل في آذار 2012 إلى استحقاق رئيسي. فإما أن تكون أنجزت عملها وإما أن يُمدد الاتفاق لمهلة يحددها ألأمين العام للأمم المتحدة، في حين أن الحكومة اللبنانية التي تشكل أحد فرقاء الاتفاق لا تتمتع في هذه الحالة سوى بصفة استشارية (الفقرة الفرعية 2 من المادة 21 من الاتفاق المُبرَم بين الأمم المتحدة ولبنان).
وعن نتائج غياب التعاون اللبناني المحتمل مع المحكمة الخاصة بلبنان يقول:
"بين الالتزام وفك ارتباط الحكومة اللبنانية تجاه المحكمة فإن اتفاق فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 تكرس في المادة 26 المبدأ العرفي الشهير في القانون المدني والدولي المعروف بـ"Pacta Sunt Servanda" (العقد شريعة المتعاقدين) ومفاده أن "كل معاهدة نافذة ملزمة لأطرافها وعليهم تنفيذها بحسن نيّة". أما في المادة 46 التي تلحظ العلاقة بين القانون الداخلي والقانون الدولي، فتجدر الإشارة إلى أن الإتفاق يشير إلى تصرف الدولة وفق التعامل المعتاد وبحسن نيّة".
ويستخلص"أن الاتفاق التأسيسي للمحكمة أصبح اليوم نافذة بموجب القرار 1757، وأن"مجلس الأمن حلّ محلّ المؤسسات اللبنانية كما أن قراره استبدل إجراءات القانون الداخلي، في ضوء صلاحيات الإختصاص وسلطة التوصيف الممنوحة له بموجب الميثاق. وموقف لبنان وتصرفه يشيران منذ آذار 2009، التاريخ الرسمي لانطلاق عمل المحكمة، إلى ممارسة حسن نيّة واعتراف بصحة المعاهدة المؤسسة للمحكمة من إحالة مجمل الملفات المتعلقة باغتيال الرئيس رفيق الحريري والجرائم الأخرى ذات الصلة على المحكمة، إلى تنفيذ حكم قاضي الإجراءات التمهيدية في شأن إطلاق الجنرالات الأربعة، إلى تضمين البيانات الوزارية في 2008 و2010 مبدأ إحترام التزامات لبنان تجاه المحكمة ،وتسديد مساهمة لبنان في العام 2009 وتوقيع بروتوكولات التفاهم بين وزارة العدل اللبنانية وأجهزة المحكمة".
ويذكر "بأن لبنان أقرّ بالممارسة وحسن النيّة بالتزاماته تجاه المحكمة ووفى بها. زوفقاً للفقرة الثانية من القسم الخامس من اتفاق فيينا بشأن بطلان المعاهدات، يُشار بوضوح إلى أنه في حالة عيب في الرضى من دولة ما تُعتبَر المعاهدة لاغية. وتصرف الدولة اللبنانية منذ آذار 2009، لا سيما تصرف السلطة التنفيذية التي كانت تتمثل فيها جميع القوى السياسية، لا يشير إلى عيب في الرضى إزاء الإتفاق الذي يربطها بالأمم المتحدة. ويبدو لنا أنه لن يجوز الإحتجاج بالبطلان نتيجة ذلك لفك ارتباط لبنان بالمحكمة. وفي المعاهدات التي لا تحتوي على نصّ بشأن إنقضائها، كما في الحالة التي نحن بصدد دراستها عن كثب، تشير المادة 56 في الفقرة الأولى من اتفاقية فيينا بوضوح إلى أن هذه المعاهدات "لا تكون خاضعة للنقض أو الإنسحاب". وما لم يتوافر إتفاق مشترك بين الأطراف، لا يتوقف العمل بمعاهدة ما للأسباب المذكورة حصراً في معاهدة فيينا" (محكمة العدل الدولية، قضية غاباتشيكوفو – نغيماروس، المجلد 1997، الفقرة 100). ويجوز أن تتفق أطراف المعاهدة على إيقاف معاهدة نافذة بموجب معاهدة لاحقة يقومون بالتفاوض عليها وتوقيعها ومصادقتها لتقوم مقامها (المادة 54ب)".
ويقول: "إن صحّ أن القواعد التي ترعى الانسحاب من اتفاق دولي ذي طبيعة عامة أو وقف العمل بمفاعيله القانونية معقدة وحصرية، نزولاً عند رغبة أحد طرفي الإتفاق، فإن الوضع سيكون أكثر تعقيداً وذا إشكالية أكبر متى تعلق الأمر بحالة وصفها مجلس الأمن بتهديد للسلم والأمن الدوليين، كما هي الحال مع المحكمة. وعلى الصعيد القانوني، يبدو أن إلغاء الإتفاق المعمول به والمؤسس للمحكمة أو الإنسحاب منه أو إيقاف العمل به بإرادة لبنانية أحادية الطرف هو على أعلى درجات التعقيد.
ووفقاً للمادة 15 من الإتفاق المؤسس للمحكمة، التزمت الحكومة اللبنانية بالتعاون مع جميع أجهزة المحكمة "في جميع مراحل الدعوى". ومن هذه الإلتزامات، المساهمة المالية بنسبة 49 في المئة من الموازنة العامة للمحكمة ، والقبض على الأشخاص أو احتجازهم، وإحالة المتهم على المحكمة". ويشار الى أن وجود ظروف إستثنائية قاهرة على صعيد الموازنة يحول دون قيام الحكومة اللبنانية بسداد حصتها من المساهمة المالية السنوية ليس بذاته إخلالاً بالتزاماتها الدولية. فالقرار 1757/ 2007 ينصّ على أنه إذا أفاد الأمين العام بعدم كفاية مساهمات الحكومة اللبنانية، "جاز قبول أو استخدام تبرعات مقدمة من الدول الأعضاء لتغطية ما قد يواجه من نقص، غير أن صدور موقف رسمي عن السلطات اللبنانية يعلن وقف التمويل بناءً على موقف سياسي بعدم التعاون سيشكل بذاته إخلالاً بالتزامات لبنان. والأمر سيّان بالنسبة إلى التوقيف وإحالة المتهمين على القضاء، أي تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عن المحكمة. ونظراً إلى إمكان حصول محاكمة غيابية، فإن توقيف المتهم وإحالته على القضاء كما الدعوة الى الحضور أمام المحكمة لا تشكل شروطاً إلزامية لانطلاق المحاكمة. أما الرفض القاطع من جانب السلطات اللبنانية للتعاون على هذا الصعيد مع المحكمة أو إطلاق الإتهامات "الرسمية" جزافاً ضدَها، فمن شأنهما حمل رئيس المحكمة إلى مباشرة تنظيم محضر قضائي قبل أن تُحال المسألة على مجلس الأمن للإطلاع واتخاذ إجراءات لاحقة بحق لبنان وفقاً لما يراه مناسباً (المادة 20 من قواعد الإجراءات والإثبات). ولكن من خلال الإعلان جهاراً عن فرار المتهمين أو تعذر العثور عليهم أو تواريهم، لن ترتّب على الحكومة اللبنانية مسؤولية دولية بالنسبة إلى الإلتزامات التي قطعتها سابقاً. فذلك لن يسيء إلى الإستقرار الداخلي ولا إلى سير عمل المحكمة.
سحب القضاة
وفي موضوع القضاة اللبنانيين في المحكمة يؤكد "ان مسألة سحب القضاة اللبنانيين أو تنحيتهم ليست من صلاحية الحكومة اللبنانية. ويشكل الأمين العام للأمم المتحدة سلطة التعيين، وهو مخوّل عند الاقتضاء، تنحيتهم وفقاً لعملية معقدة على أساس آداب المهنة. وذلك لا ينفي إمكان أن يقرر القضاء شخصياً الاستقالة من عملهم في المحكمة. وقد تعرب الحكومة اللبنانية عن رغبتها في استقالة القضاة إنما من دون ممارسة الضغوط أو وسائل الإكراه عليهم، خوفاً من أن يُفسَّر هذا التصرف على أنه انتهاك لبناني للإلتزامات الدولية. ويجوز لمجلس الأمن التدخل في حال إستقالة القضاة اللبنانيين، وإن تعذًر استبدالهم بزملاء لبنانيين لظروف إستثنائية. عندذاك يمكن إصدار قرار على أساس الفصل السابع للبدء بإدخال تعديلات جوهرية على النظام التأسيسي للمحكمة الخاصة بلبنان، بإعطاء مجلس الأمن أو الامين العام للأمم المتحدة سلطة تعيين قضاة غير لبنانيين بدل القضاة اللبنانيين المستقيلين. وفي هذه الحالة، تكون إحدى أبرز سمات الطابع المزدوج للمحكمة الخاصة بلبنان قد تبدّلت".
ويبحث الأب فاضل في دور الديبلوماسية ونتائج إمكان عدم تعاون الحكومة اللبنانية مع المحكمة الخاصة بلبنان، ويقول: "في إطار الإجماع على عدم التمادي في التعاون مع المحكمة ، يبدو جلياً أن جهاز المحكمة الذي سيتحمل العواقب هو مكتب الدفاع". اذ أن المدعي العام جمع بيانات المعلومات والقرائن والأدلة التي يحتاج اليها منذ عام 2005. وما دام أن مكتب الدفاع سيحتاج إلى قيادة تحقيق مضادّ لجمع بيانات تنفي إدَعاءات المدعي العام، فهو لن يتمكن من الوصول كلياً إلى الأراضي اللبنانية بسبب التحفظات المحتملة من جانب الحكومة اللبنانية، التي ستكون قد وجدت دعماً دولياً ضمنياً لتحفظاتها هذه. وللمفارقة، سترجح الكفة لمصلحة مكتب المدعي على حساب حقوق المتهم ومبدأ "تكافؤ وسائل الدفاع" الشهير الذي يسمح، من بين أمور أخرى، بقيام محاكمة عادلة"، معتبرا أن "الجرائم والإعتداءات الأخرى، كإغتيال النائبين بيار الجميل ووليد عيدو والرائد وسام عيد واللواء فرنسوا الحاج وغيرهم على سبيل المثال، لا تتمتع فيها المحكمة بصلاحية النظر في هذه الملفات من دون موافقة مسبقة من الحكومة اللبنانية والأمانة العامة للأمم المتحدة وقبول مجلس الأمن (المادة الأولى من الإتفاق ومن النظام الأساسي للمحكمة الخاصة). ففي غياب موافقة أطراف الإتفاق وقبول مجلس الأمن، لا يجوز للمحكمة أن تنظر في هذه الجرائم"، مشيرا إلى أن "السبل المتاحة من الحكومة اللبنانية لتحقيق العدالة لهؤلاء الضحايا وأقربائهم ولوضع حدّ لحالات الإفلات من العقاب تكمن في القانون المحلي شرط الحصول على ملفات التحقيق الخاصة بها من مكتب المدعي العام وفي أقرب وقت تفادياً لمرور الزمن".