#dfp #adsense

الحلفاء” بين الرئيس والخصم

حجم الخط

لم يبلغ مستوى الخصومة العائمة على سطح ازمة تأليف الحكومة الجديدة بين رئيس الجمهورية والعماد ميشال عون بعد حدود استحضار كل معالم تجربتين خاضمها زعيم "التيار الوطني الحر" بكل الاسلحة الثقيلة مع عهدي الرئيسين الياس الهراوي واميل لحود، الى حين قيامه بانعطافته الانقلابية الشهيرة في سنوات التمديد للحود التي اعادت عون الى لبنان من منفاه الباريسي. فالخصومة المتفجرة بحدة علنا هذه المرة لا تزال دون منسوب انكار عون شرعية الرئيس ميشال سليمان على الاقل ولو ان انفجارها المبكر، قبل انتصاف الولاية الرئاسية، من شأنه ان يؤسس نظريا لتجاوز الكثير مما قد يبدو الان حدودا غير قابلة للتجاوز.

وفي الاطار الاوسع والاعم من لاعب بعينه، لم يمر عهد رئاسي في لبنان ولم يكن من علاماته الفارقة مناصبته الخصومة الكبيرة بل العداء من زعماء موارنة ومسيحيين، وخصوصا بعد الطائف. اذاً، فالظاهرة ليست طارئة على المشهد الراهن الا بمقدار ما تحمل من خصوصيات الزمن المتبدل، وهي في عمقها ظاهرة كلاسيكية تلازم المزاج المسيحي. وثمة ما يغري بابراز خصوصية هذا المزاج الذي غالبا ما استعصى على الاحادية وتميز بالتعددية ولو افرطت غالبا في العودة على اصحابها بمزيد من الاضرار وامعنت إضعافا بالمسيحيين لكونهم يسقطون في تناقض هائل بين مماشاة نظام طائفي حتى العظم من جهة وتشرذم قاتل الى جانب تراص الطوائف الاخرى من جهة مقابلة.

ما يحتم اثارة هذا الجانب المتصاعد في الازمة الحكومية هو انه بدأ يثير بحدة اشكالية حول "وظيفة" الرئاسة وليس "دورها". الدور منصوص عليه في الدستور ولا مجال للجدل فيه، ولا حاجة الى اغراق فيه. اما الوظيفة فيخشى ان تكون متبدلة قسرا، بمعنى اخضاعها هي الاخرى لموجبات التكيف مع موجات التقلبات السياسية وميزان القوى واضطرارها الى التكيف مع اعراف جديدة، تارة تكون لمصلحة الرئاسة وطورا ضدها. من هذا المعطى تثار مسألة "الحصة الوزارية" لرئيس الجمهورية وما اذا كانت لمصلحة "الوظيفة العملانية" ام وسيلة اضعاف للدور الرئاسي.

بطبيعة الحال، اخرجت الخصومة الناشئة هذا المأزق عن اطاره الدستوري الصرف وألحقته بالكامل بالاطار السياسي الواقعي. في "عصر" 14 آذار الحكومي وعقب اتفاق الدوحة تحديدا صارت الوظيفة الرئاسية بمثابة بيضة قبان عملانية ولم تعد دستورية مبدئية صرفة. الحصة الرئاسية في حكومة الرئيس سعد الحريري بدت بمثابة احتياط فعلي وحالت، في الشهور الاخيرة قبل اسقاط الحكومة بتغيير الاكثرية، دون الاجهاز على ارتباط لبنان بالمحكمة الدولية من خلال التصويت على مسألة شهود الزور، والذي ما كان للرئيس سليمان ان يتمكن من منعه لولا تسلحه بوزرائه الاربعة، باعتبار ان الخامس اختار خط المعارضة السابقة في هذا الملف. اذاً، ثمة "اضافة" كبيرة حظيت بها الرئاسة يراد لها ان تنتزع على يد خصم مسيحي تحديدا. ثم ان ثمة بعدا آخر يفاقم المأزق ولا يقتصر على الاطار الداخلي. فالحصة الرئاسية، في عز حكم "الوحدة الوطنية" وتحت ظل اكثرية 14 آذار فلشت "توافقيتها" على الحقائب الامنية والدفاعية حلا وسطا لابقاء الجسور قائمة مع العالم الخارجي والحؤول دون اي انعكاسات سلبية لتولية هذه او تلك من هذه الحقائب لوزراء اطراف. كان ذلك مع اكثرية 14 آذار، فكيف ستكون الحال مع اكثرية 8 آذار اذا ذهبت الداخلية والدفاع ومعهما العدل اليها؟

الخصومة بين الرئيس والعماد عون قد لا تحرك ساكنا في الخارج حيال "بديهيات" المشهد المسيحي الداخلي. حتى ان كثراً في الداخل سيجدون فيها مادة توظيف ملائمة لاعادة التموضع واستغلال ما امكن في اضعاف طرفيها معا لان حدود التصعيد العوني ستقف في النهاية عند تسوية محتومة هي انجاح الرئيس المكلف الذي لم يؤت به بكل هذه الكلفة لدفعه الى الاعتذار. ومع ذلك فان اختناق ازمة التأليف عند هذه العقدة تقريبا بفعل تكبير الشروط سيوجب رصد تطورين اساسيين في الشوط المتبقي هما: الى من ستذهب حقيبتا الداخلية والدفاع اللتان ترصدهما بدقة اعين الدول الغربية خصوصا؟ والى اي حدود سيماشي زعماء 8 آذار الآخرون حليفهم العماد عون في خصومته المتصاعدة مع الرئيس سليمان قبيل انتصاف ولايته؟
وغني عن البيان انهما تطوران لن يحسما من داخل الحدود فقط بعدما تحولت المطالب المستعصية بمثابة "اجازة" علنية للتدخل الشقيق.

المصدر:
النهار

خبر عاجل