مرحلة استعادة ثقة الجمهور انتهت عودةً إلى الجذور
14 آذار: لا تسوية بعد اليوم .. والربيع آتِ
تمرّ الشعوب على مر العصور، بلحظات تاريخية، تؤثر فيها الظروف المحيطة والمستحكمة بالواقع المعاش. يستمرّ هذا المشهد لسنوات، عقود، او حتى قرون، على حاله. هذا ما ينطبق على مجتمعاتنا العربية.
ما يحصل اليوم في العالم العربي، لا يمكن وضعه في خانة الثورة على الظلم بقدر ما هو مطلب اجتماعي معيشي صرف. هذا ما حصل في تونس، وهذا ما يحصل اليوم في مصر، بالرغم من أن المحرّك لهذه الثورات، يبقى الحكم المفتوح على "اللاتعديل"، وتداول السلطة المفقود في غالبية من أرجاء هذا الشرق.
بنظر من عايش "ثورة الأرز"، فإن هذا الربيع العربي المتجدد، لا يقارن بما كان في لبنان عام 2005، لا بالشكل ولا بالمضمون، ولا حتى بالأهداف التي من أجلها كانت الثورة، ولكن ما حصل في بيروت كان هو المحرّك لتلك الثورات على اختلافها، لأن اللبنانيين بطوائفهم مجتمعة، كسروا في ذلك الوقت، حاجز الخوف لدى شعوب المنطقة بأسرها، وإن كان فعل "الكسر"، يتفاوت بالنسب بين بلد وآخر.
يقول قيادي في 14 آذار أن "انتفاضة الاستقلال، قلبت المعادلات، وجعلت من صورة الحاكم الذي لا يقهر، مجرد إطار قابل للإنكسار حين تجتمع إرادات التغيير الحقيقية، والهالة التي رسمها الطاغية لشخصه، ذهبت بعيداً مع رياح الحرية التي هبت من بيروت".
يتابع: يستطيع الشعب التونسي أن يفاخر بنصره ونصرته للقمة العيش. كذلك الأمر في مصر وفي كل البلدان العربية المنتظرة. أما في لبنان فالحال مغايرة تماماً، فمن انتفض على الظلم المستمر أكثر من ثلاثين عاماً لم يكن حينها يبحث عن رغيف خبز، أو عن تحسين ظروفه المعيشية، وإن كانت هذه الأمور قد ساعدت في مكان ما على بلورة مفهوم الانتفاضة.
وبرأي القيادي أن "ثورة الأرز، غريبة بتكوينها وليس بقيامها، ففي بلد متعدد الإثنيات كلبنان، من النادر أن يكون فيه إجماع على الثورة، لا بل من المستحيل، إلا أن لحظة الوعي كان لابد لشعب هذا البلد أن يصلها في وقت من الأوقات، لحظة يتخطى فيها الإنسان حدود طائفته، ويذهب بعيداً ليبحث عن حدود الوطن الممزّق بوصاية خارجية تحكم من خلال أدوات محلّية ارتهنت لها، ورهنت معها شعباً بأكمله".
كثيرون يتحدثون اليوم عن أن ربيع بيروت انتهى، يحاولون القول بأن الانتفاضة فشلت. هؤلاء لا يعلمون، بل لا يدركون ما معنى أن تصل الشعوب إلى هذه اللحظة التاريخية، على غرار ما حدث في الـ2005، لحظة لا يمكن أن تمحوها انقلابات وتهديدات بالسلاح أو بغيره.
في جلسة سياسية بامتياز، كان هناك من يتحدث بأسلوب المنهزم، على اعتبار أن كل المكتسبات فقدتها قوى الاستقلال لصالح حلفاء سوريا وإيران.
يرد عليه أحد المخضرمين في السياسة وفي صفوف 14 آذار تحديداً، ليقول: قد يكون المسبب الأساس في مثل هذه "الترويجات"، الإخفاق المتتالي الذي برعت فيه قوى الاستقلال، لكن هذا الإخفاق لا يمكن ان يلغي تلك اللحظة، بحيثياتها وناسها، بمبادئها وقدرتها على استيعاب ذلك الكمّ الهائل من الاختلاف.
يضيف متوجهاً إلى من يشعر "بالإنهزام": هناك كثر في صفوف قوى 14 آذار يتحدثون بالأسلوب نفسه، قد يكونون محقين في الكثير ممّا يقولونه، فالمشكلة كانت أننا آمنّا بسياسة مد اليد إلى أبعد حدود، ولم نكن نعلم أن في لبنان من يريد احتكار كل شيء له، باعتقادنا أننا كنّا نحاول استثمار النصر الذي تحقق لبنانياً وليس لفريق على حساب آخر. هذا الأمر انتهى، ولا يمكن بعد اليوم أن نترك أنفسنا في حالة الانهزام هذه. الوضوح عاد. من الآن نستطيع أن نعيد كل حساباتنا بعد استنفاد كل سبيل للحوار مع الطرف الآخر.
يتابع: ما قاله الرئيس سعد الحريري في البيال كان واضحاً جداً، فالعودة إلى الجذور هي بطبيعة الحال مطلب كل اللبنانيين. هؤلاء كانوا على قدر عال من الوعي، لقد أدركوا أنه لا يمكن الوصول إلى تسوية مع فريق لا يؤمن بلبنان. بالنسبة للقيادة السياسية لقوى الاستقلال هذا الأمر لا يمكن أن يكون في ذلك الوقت، لأن مسؤولية القيادة تُحتم عليك تفكيراً مغايراً لهذا الواقع. أما الآن، وبما أن عبء السلطة لم يعد موجوداً، فالعودة إلى الجمهور أصبحت حاجة، وأخطاء الماضي القريب يجب أن تؤسس لما هو أفضل.
يتوقف أحد الذين كانوا في هذه الجلسة أمام مشهد المصريين في ميدان التحرير، ليقول: لقد قاموا بما لم نفعله نحن في العام 2005، لقد قدم لهم حسني مبارك كل شيء، ولكنهم أصرّوا على التغيير الكامل، وتلبية كل المطالب، بينما نحن تراجعنا ولم نكمل يومها نحو بعبدا. علينا اليوم أن نتعلّم من هذا الدرس، وأعتقد أننا تعلمنا جيداً، لأنه لا يمكن للثورات أن تكون ناقصة.
يطلب القيادي الكلام. يقول: ما حصل في العام 2005 هو قمة الوعي، يُسجّل للبنانيين على مر التاريخ، بأنهم كانوا وقوداً لحركات تحرر لن تقف بعد اليوم أمام طاغية، مهما اختلفت التسميات، وهم (أي اللبنانيون) يدركون كيف يستعيدون هذه اللحظة، حين يشعرون بالخوف على الكيان، ويبدو أن ساعة "استعادة الوعي"، أصبحت قريبة، والثورة لن تقف حتى يعود "الربيع".