كتب داود رمال في صحيفة "السفير": دخلت المشاورات حول تشكيل الحكومة العتيدة أسبوع الحسم النهائي، بعدما أصبح من المستغرب استجلاب المزيد من التأخير من دون مبررات جوهرية، الأمر الذي سيدخل فريق الأكثرية الجديدة في دائرة الاستهداف السياسي المضاعف حتى من قبل جمهورها الذي بدأ يسأل عن سر التأخير ما دامت الحكومة ستقتصر على جحا وأهل بيته وبعض "الوسطيين".. فإذا كانت عملية التأليف قد استحوذت على هذا الكم من الجدل، فما بال الأيام المقبلة بعد التأليف، خصوصاً أن بعض الاحتدام الذي يشوب التفاوض ينعكس تلقائياً ولا شعورياً خلال الاداء بعد أن تبصر الحكومة النور وتباشر مهامها الدستورية.
ويؤكد مصدر مواكب لمشاورات التأليف "أن كل الأجواء التي عكسها الإعلام عن ولادة سريعة للحكومة الميقاتية الثانية، كانت حقيقية وجدية، وأن النية كانت بإصدار مراسيم التشكيل في الأسبوع الثاني ما بعد تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، إلا أن عوامل متعددة حالت دون ذلك، أبرزها العامل الداخلي المرتبط بوجود نوايا جدية لدى كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والرئيس نجيب ميقاتي بوجوب تشكيل حكومة إنقاذ وطني تضم الجميع على قاعدة الانتقال إلى مرحلة جديدة عبر فريق وزاري متجانس ويختزن من الخبرات والكفاءات ما يؤهله لمواجهة استحقاقات المراحل المقبلة، وهذا التوجه كان مدعوماً من قوى الأكثرية الجديدة وإن بنسب متفاوتة وتحديداً من قبل رئيس المجلس النيابي نبيه بري".
غير أن العامل الداخلي لا ينفي وجود عامل خارجي "تمثل في رغبة أشقاء وأصدقاء لعدم الذهاب إلى حكومة اللون الواحد، مصحوبة بعملية استكشاف دقيقة للتوجهات المستقبلية لجهة ما سيتضمنه البيان الوزاري حول مواضيع حساسة، لا سيما ما يرتبط منها بالقرارات الدولية، وكل عمليات الاستطلاع هذه لاقت الجواب الشافي من قبل ميقاتي الذي تعمد تقديم المصلحة الوطنية العليا على كل الأمور الأخرى مهما اختزنت من محاذير وعقبات".
ويجزم المصدر "أنه بعد استنفاد كل السبل الحوارية والتشاورية مع كل المواقع، أياً كان تمثيلها أو حجمها، فإن الأسبوع المقبل سيشهد حكماً ولادة الحكومة وما تبقى من عقد، لا بل عقدة وحيدة، متمثلة في ما أصبح يعرف بعقدة وزارة الداخلية والبلديات التي ستجد طريقها إلى الحل، على قاعدة أن لا أمر في لبنان إلا وله حل أو "حلاّل"، وهذا "الحلاّل" بالطبع سيكون داخلياً بامتياز وأي تأخير يحصل لن يكون في مصلحة الأكثرية الجديدة؟".
وعن المغزى من التأكيد على أن الحل داخلي، يقول المصدر "بوضوح وبلا مواربة، إن الدعوات التي خرج بها البعض عبر وسائل إعلامية، من أجل تدخل سوري مباشر لتسهيل ولادة الحكومة، هي دعوات خبيثة ولكنها لم تعد تنطلي بأهدافها وغاياتها على أحد، فمنذ الخروج السوري الإرادي من لبنان عام 2005 اتخذت القيادة السورية قراراً نهائياً لا رجعة فيه، وهو عدم التدخل بالشؤون الداخلية اللبنانية لا من قريب ولا من بعيد، وهذا القرار أفهم لكل المستويات القيادية في سوريا بالتالي فإن القيادة السورية ليست بوارد ولا تفكر ولن تقبل بأي محاولة لإغراقها مجدداً في التفاصيل اللبنانية، ومن يعتقد أن سوريا ستتجند للدخول على خط تأليف الحكومة فهو مشتبه وواهم وننصحه بمغادرة هذه الترهات".
ويتابع المصدر "إن ما يهم سوريا هو بناء علاقة وثيقة مؤسساتية مع لبنان، حيث يتقدم الموضوع الأمني على ما عداه، وهناك تنسيق كامل على هذا المستوى بين كل القيادات العسكرية والأمنية في كلا البلدين، وما يعنيها أيضاً عودة الأمور إلى طبيعتها في لبنان عبر انتظام عمل المؤسسات الدستورية لكي يسهل التعاطي بين البلدين في كل الملفات الحيوية والاستراتيجية، لأن استقرار لبنان مهم جداً لسوريا في ظل المتغيرات الكبيرة على الصعيد العربي، والتي تفترض مواكبة دؤوبة لكي تصب هذه المتغيرات في صالح القضايا العربية المحقة وفي مقدمها حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني الشقيق عبر إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وعودة جميع اللاجئين إلى ديارهم التي هجروا منها، وفي ظل الواقع الراهن تصبح بعض التفاصيل غير ذي معنى أو جدوى".
ويشدد المصدر "على الحرص السوري الكبير على دعم المؤسسات الدستورية اللبنانية، أي الشرعية اللبنانية، ودعم كل هذه المواقع الدستورية لأن وجود هذه المؤسسات وانطلاقها في سياق من الانتظام البعيد عن التوتر فيه مصلحة متبادلة أقلها الانسياب الطبيعي للعلاقة المؤسساتية بين البلدين الشقيقين".
ويلفت المصدر الانتباه "إلى أن الحرص السوري الكبير على الاستقرار في لبنان عبر مؤسساته الدستورية يوازيه حرص كبير على المقاومة اللبنانية باعتبارها الحامي للسيادة والرادع للعدو وجزءا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي الذي لا يمكن التفريط بأي جزء من جزئياته، ويمكن الاستثمار على قوة ومناعة المقاومة في عملية الاستقرار الداخلي اللبناني، عبر الانكباب على المعالجة الذاتية اللبنانية لكل القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية بالاتكال على سند صلب وقوي جداً هو المقاومة".
ويشير المصدر إلى أن "الانفتاح السوري على القيادات والشخصيات اللبنانية في المرحلة الماضية، لا سيما القريبة منها، كان على قاعدة إزالة أي شائبة قد تؤثر على العلاقة بين البلدين، وهناك مصالحات كان لا بد منها لإزالة بعض الحواجز، ولكن ليس على حساب التعاطي المؤسساتي مع لبنان، كما أن الشخصيات التي كانت تزور سوريا من قوى مختلفة، وفي فترة "السين – سين" هدفت إلى البحث في تفاصيل هذا الحل، والحوارات كانت محصورة بهذه النقطة فقط ولم تكن محصورة بسوريا بل بالسعودية ودول شقيقة وصديقة أخرى، بحثت عن إزالة كل ما يحمل في طياته عوامل تفجير سياسي، ولا سمح الله، أمني للواقع اللبناني، وانتهت هذه الحوارات والمحادثات مع وصول الحل السعودي – السوري إلى طريق مسدود، بدليل أن الشخصيات التي كانت تزور سوريا في تلك الفترة انقطعت عن زيارات كهذه، ومرت أسابيع مثلاً من دون أن يزور "الخليلان" سوريا للقاء قيادات سورية، علماً أن القيادة السورية وخلال المفاوضات في مسألة الحل حصرت الأمر بشخص الرئيس بشار الأسد أو من يكلفه شخصياً أي بدائرة ضيقة جدا".
ويستغرب المصدر "كيف أن البعض في لبنان لا يزال يعيش في الماضي، وكأنه يحن إلى هذا الماضي، فمن كان يتهم سوريا بالتدخل في لبنان، يحاول اليوم استدعاء تدخل كهذا، بينما القيادة السورية أنهت منذ ما بعد العام 2005 دراسة التجربة السابقة واستخلصت العبر، ويبقى على اللبنانيين أن يستخلصوا العبر، عبر الاتكال على الذات، والتعود على إدارة الشؤون اللبنانية بإرادة داخلية، والتنسيق مع سوريا في قضايا استراتيجية تتعلق بالمنطقة والأمن والمصالح المتبادلة".