#dfp #adsense

الشعب يُريد تغيير النظام

حجم الخط

اذا كان القصد من اتفاق الطائف، التوّصل الى اصلاحات توقف الحرب وتساعد على منع حصولها مستقبلاً، فمما لا شك فيه ان القصد فشل في تحقيق غايته، لأن أهل الطائف يومها كانوا يعالجون مشكلة اسلامية ـ مسيحية، ولم يدر في خلدهم او حساباتهم، حصول معضلات اسلامية ـ اسلامية، أو خلافات مسيحية ـ مسيحية، كهذه التي يواجهها المجتمع اللبناني منذ سنوات عدة، ولا تبدو بشائر الافق تشير الى امكانية التوصل الى حلول، لايجاد مساحة واسعة من تفاهمات قادرة على نزع فتائل التفجير بين مكوّنات الشعب اللبناني، اضافة الى أن أهل الطائف، لم يحسبوا ان تطبيق الاتفاق سيتم وفق مصالح داخلية واقليمية، وبصورة انتقائية احياناً وعشوائية او منقوصة أحياناً أخرى، بحيث طغت طوائف على طوائف ومذاهب على مذاهب، وبدلاً من أن يخفّ الشعور الطائفي، تصاعد ليصبح شعورا مذهبياً، واصبحت البلاد اسيرة تحكّم الطوائف والمذاهب، خصوصا تلك التي لا تملك العدد وحسب، بل تنفرد بحمل السلاح على أنواعه، ولما كان التوازن بين مختلف مكونات الشعب اللبناني، المفترض ان يؤمنه اتفاق الطائف، سياسياً واقتصادياً وانمائىاً وامنياً، قد سقط بسبب سوء تطبيقه، انكسرت حلقةرئىسة في هذا الاتفاق كانت مهمتها الربط بين جميع بنوده، هي حلقة المساواة في الحقوق والواجبات، وعدم استقواء فريق على آخر، وتكريس الدولة، مرجعية جميع اللبنانيين وحاميتهم، وبالتالي لا نفع بعد الآن ولا أهمية للتصريح بالالتزام بالطائف، طالما أن الملتزم به لا يقدر على تطبيقه، واصبح من الواجب التفكير جدياً بالتفتيش عن صيغة جديدة تؤمن حسن عيش اللبنانيين وتعاونهم مع بعضهم بعضاًّ.

*****
اكثر القواعد والتقاليد والأعراف التي كانت تميّز لبنان ايجاباً، هي عملية تشكيل الحكومات، والمؤسف أن اتفاق الطائف من جهة وسوء تطبيقه من جهة ثانية، ووجود فريق لبناني «يملك حق» الرفض والنقض من جهة ثالثة، شوّهت هذه العملية الديموقراطية، ان لم يكن قد دمّرتها بكاملها، وخصوصاً في الحكومات التي تشكلت بعد العام 2005، لانه لا يعقل في نظام برلماني ديموقراطي ولا يجوز، أن يفرض سياسي معيّن، أو حزب أو طائفة أو مذهب، الرئيس المكلف بالتشكيل، واذا سمّت الاستشارات النيابية الملزمة شخصاً آخر، تتعرّض البلاد الى تهديد جدّي بقيام فتنة على يد من هو قادر على تعديل الاوضاع بقوة السلاح، ثم يتضاعف تشويه القواعد والأعراف، عندما يبدأ الرئيس المكلف «تشكيل» حكومته، اذ يجد ذاته اسير مطالب هذا السياسي او هذا الحزب او هذا المذهب، وتفرض عليه الاسماء والحقائب، وكأن لا دور لرئىس الحكومة المكلّف سوى ارتداء ما يخاط له، والبصم على ما يقدم اليه، فيغيّب دوره ودور رئيس الجمهورية، وهما المعنيان اولاً وأخيراً باختيار الوزراء وتوزيع الحقائب بما يؤمن مصلحة الدولة والشعب ونجاح العهد في تحقيق ما وعد به الناس.

هذا الواقع غير الطبيعي وغير الدستوري، فُرض على حكومة سعد الحريري المستقيلة، ويفرض اليوم على رئيس الحكومة المكلّف نجيب ميقاتي ويحاول العماد ميشال عون مدعوماً من حلفائه الاقوياء، فرضه على رئىس الجمهورية العماد ميشال سليمان، واذا اصرّ الرجلان على الوقوف في وجه هذا الاعتداء الفجّ على حقوقهما ـ ويقيني انهما فاعلان ـ فان عون سيهدد بعـدم المشاركة في الحكومة، وسيتضامن معه حزب الله وحركة امل، وهما يمثلان الأكثرية الساحقة من الشيعة، فيتعذر عندها تشكيل الحكومة، لأن اشراك وزراء شيعة لا يرضى عنهم الحزب والحركة، سيعيد البلد الى اجواء الاعتصامات والتظاهرات وقطع الطرقات وشل المرافق العامة، وهذه حلقة جهنمية لم يعد لبنان في صيغته الحالية قادراً على الخروج منها، وأصبحت الضرورة واجبة للتفتيش عن صيغة بديلة تحفظ الحياة الديموقراطية السليمة الحرّة لجميع فئـات الشعب.

*****
استناداً الى هذا الواقع، وبروحية الحريص على بقاء لبنان بلداً حراً مستقلاً سيداً ديموقراطياً، دعوت في مقالي يوم الجمعة الى التفتيش عن صيغة جديدة قابلة للحياة والاستمرار، ولم افاجأ عندما تلقيت عدداً وافراً من الاتصالات لشخصيات مرموقة ولقراء واصدقاء، تثني على ما كتبت وتدعو الى معالجة سريعة للاوضاع القائمة «لأن اللبنانيين لم يعودوا قادرين على تحمّل ما يجري في وطنهم».

أريد أن أقول لهؤلاء الأصدقاء، ولجميع اللبنانيين دون استثناء احد، ان في الاتحاد الاوروبي دائرة اسمها دائرة «الاقليات الدينية والعرقية» وهي تضم خلية من الاخصائيين لدراسة اوضاع الدول التي تشبه الوضع اللبناني، وهذه الخلية على ما نقل مراسل «الديار» في باريس راجعت عشرات الدراسات المتعلقة بالوضع اللبناني والتي قدمها لبنانيون وغير لبنانيين ويبدو على ما افاد المراسل ان المحاضرة التي ألقاها السفير البلجيكي في جامعة الروح القدس – الكسليك منذ مدة، تحت عنوان «مستقبل نظام لبنان السياسي» اعتبر في نتيجتها ان النموذج البلجيكي «يصلح كمصدر إلهام للمسؤولين اللبنانيين» اذا هم رغبوا في التفتيش عن نظام «يحمي الاقليات ويحافظ على وحدة البلد» خصوصا ان بلجيكا تشبه لبنان في وجوه عدة مثل تنوع اللغات والثقافة واعتماد الاقتصاد الحر.

لذلك ان دعوتي لجميع اللبنانيين الراغبين بغد مستقر وحر وافضل، ان يرفعوا الصوت، كما ترفعه اليوم اكثرية الشعوب العربية، ويطالبوا قياداتهم واحزابهم ومسؤوليهم ان يفتشوا عن نظام جديد غير هذا النظام الفاشل، تحت شعار:
الشعب اللبناني يريد تغيير النظام.

المصدر:
الديار

خبر عاجل