لم تكد قوى "14 آذار" تخرج من السلطة الى المعارضة بالشكل الذي بات معروفا للجميع، حتى ارتفعت الاصوات من داخل البيت لتضع التجربة على طاولة التشريح وتفنّد مواضع القوة والضعف والهفوات التي أدت في كثير من الاحيان الى سلبيات كانت هذه القوى بغنى عنها. الحديث هنا لا يهدف لتبرير القرارات السياسية التي اتخذتها قوى "14 آذار" بين العامين 2005 و2011 بقدر ما يهدف للقول ان هذه القوى تميزت بإجابيتين مع كل السلبيات التي يعيبها عليها مناصروها.
الايجابية الأولى، ان كل القرارات التي اتخذت خلال هذه الفترة الزمنية كانت تنبع اساسا من حرص واضح على الحياة العامة والخاصة في البلاد وحماية لشعارات العيش المشترك ومحاولة ترجمتها الى واقع. ليست مشكلة "14 آذار" إن لم يكن في المقابل طرف يريد هذه الشراكة الوطنية على قاعدة التنازلات المتبادلة، وليست المشكلة في الاصوات "التسووية" من داخل هذه القوى إن لم تجد صدى يرجّع الرغبة بمعالجة الشرخ. وعلى سبيل المثال لا الحصر، ما كشفه الرئيس سعد الحريري من ان فريق "الحزب الحاكم" رفض المبدأ العام لمبادرة الـ"س ـ س" القائل بانعقاد مؤتمر للمصالحة في الرياض، ما يعني ان المبدأ غير وارد في قاموس ذلك الطرف.
الايجابية الثانية، هي ان قوى "14 آذار" سمحت للاصوات التي انتقدت تجربتها بأن ترتفع وتؤشر الى مكامن الضعف، وهذا مؤشر ايضا ينبغي التوقف عنده لأنه يتضمن ممارسة تغيب عند الفريق الآخر. الديمقراطية في تنوع الرأي من ضمن قوى "14 آذار" أمر ليس موجودا عند الحزب الحاكم، الذي لم نسمع من قيادييه مراجعة واضحة او نقدا ذاتيا للتجربة، والامر كذلك عند حلفائه.
اللبنانيون لا ينسون ان الحزب الحاكم عندما أراد مراجعة نفسه رأى في 7 أيار يوما مجيدا، واعلن صراحة جهوزيته لتنفيذ سبعين 7 ايار، بغض النظر عن خطابات قطع الايدي والاعناق واعطاء المهل الزمنية وسوى ذلك. ومن على منبر الرابية، كانت قيادة التيار العوني تكيل الشتائم والاهانات للصحافيين ولسياسيين آخرين، ولا يذكر اللبنانيون انهم سمعوا اعتذارا في يوم عن هذه التصرفات، فما البال بأصوات كوئام وهاب وحديث الصرامي وشربل نحاس وتطاوله على رئيس حكومته.
في هذا المجال، هل يمكن ان نتلمس الفارق بين ممارسات هذا الفريق وبين ممارسات مماثلة تعم البلدان حيث حكم الرأي الواحد؟ وهل يمكن للبنانيين الذين انتفضوا على الوصاية الخارجية ان يقبلوا باستبدالها بوصاية خارجية ايضا إنما تنفذ بأيد محلية؟
لا يختلف طرفان على ان "14 آذار" وقعت في شباك الاخطاء القاتلة التي سبق لكثر الحديث عنها وتفصيلها، وهذا لا يعيب هذه القوى لأن أي عمل سياسي يحتمل نسبة من الخطأ قد تزيد في مكان وتقل في مكان آخر، لكن يعاب على قوى "8 آذار" كل تصرفاتها ومن بينها خنقها لأي محاولة للنقد الذاتي وإصرارها على ان تظهر في عيون جماهيرها على انها الطرف الوحيد الحريص على البلد في مواجهة عدد من المتآمرين، في إصرار واضح من "حزب الله" وملحقاته على تنزيه الذات الملوثة بالكذب.
