نطمئن الغيارى "والمحبين الجدد" لقوى "14 اذار" وثورة الارز اننا نعرف تماما الجغرافيا السياسية في المنطقة وخصوصا على حدود لبنان مع محيطه، كما اننا نطمئن هؤلاء الى اننا نعرف تماما تداعيات هذه الجغرافيا وقد خبرناها بالدماء والدموع على مدار اجيال واجيال ولسنا بغافلين عنها ابدا.
لكن السؤال الواجب ان يطرح وخصوصا اليوم هو: هل هم يعرفون تاريخنا؟
أجل، هل محيطنا الداخلي نحن كلبنانيين اولا وكمسيحيين ثانيا في لبنان ومحيطنا الاوسع في المنطقة وما وراء حدودنا يعرف تاريخنا منذ اكثر من 1500 سنة؟
ما نعتقده انهم يجهلونه تماما لانهم وبحسب تصرفاتهم ومواقفهم، ان في لبنان او في دمشق او طهران، يعطوننا الانطباع الدائم بانهم لا يعرفون خميرة هذا الشعب في لبنان ولا "معدنه". اذ لو عرفوا جيدا لما تمادوا تحت شعاراتهم تارة بالممانعة والتصدي للمشروع الاميركي – الاسرائيلي وتحت شعار القومية والعروبة والاشتراكية والبعث، وطورا تحت شعار تصدير الثورات وعقيدة ولاية الفقيه ونشر التشيع والاسلمة في المنطقة والعالم وتحت شعار تحرير فلسطين وانقاذ القدس الشريف الى ما هنالك من شعارات ان اخفت شيئا فانها اخفت ولا تزال وجود نظرة "استيعابية" "توسعية" الى المنطقة من قبل بعض الانظمة لا تعترف الا بمصالح حيوية لها ضمن الدول وضمن الانظمة وضمن البلدان المجاورة الاخرى بحجة الجغرافيا والجيو – سياسة، فيما في الوقاع تستعمل هذه الحجة كمطية للتدخل في شؤون الاخرين وفي اثارة القلاقل والنزاعات بين الدول وبين الشعوب وفيما بين الشعوب داخل الدول فيما بينها.
اجل الجغرافيا نعرفها تماما ونعاني منها منذ اكثر من 1500 سنة كمسيحيين ولبنانيين من جيراننا الاقربين والابعدين – لانهم لا يعترفون بتاريخنا كما لا يعترفون الا بتاريخهم هم … ومعتقداتهم هم … وفلسفة وجوديتهم هم …
فبحجة العمق الاستراتيجي والامن القومي لـ"الجارة" تدخل النظام السوري في شؤون العراق كما تدخل النظام الايراني… وبحجة الامن القومي الاميركي والسلام العالمي وحماية الثروات تدخلت واشنطن في العراق واحتلته – وبحجة القضية المركزية للمسلمين والعرب تدخلت سوريا وايران والمنظمات الاسلامية في شؤون فلسطين وزادت في الانقسامات الفلسطينية – الفلسطينية وأججت الهيجان الاسرائيلي "المسعور " ضد الشعب الفلسطيني الاعزل ان في غزة او في الضفة الغربية – وبحجة الامن القومي الغربي والنضال من اجل ازالة اسرائيل من الوجود أنشأت ايران "حزب الله" في لبنان، لتحويل لبنان الى ارض بلا دولة ودولة بلا سيادة وسيادة بلا قرار رسمي وقرار رسمي بلا فعالية…
وبحجة الجغرافيا ايضا وايضا… اعتبر حكم البعث العربي الاشتراكي في سوريا منذ وصوله الى سدة الحكم بأن كل دول المنطقة هي صنيعة الاستعمار واتفاقية سايكس – بيكو، علما ان المادة (11) من هذه الاتفاقية نفسها نصت على احترام رأي العرب في تعيين حدود الدولة العربية او حلف الدول العربية بـ"التفاوض" وليس بالقمع والاحتلال والغصب… فهل احترم نظام البعث في سوريا حق الشعب اللبناني في التمتع ضمن حدوده الدولية بسيادته..؟
ليس دفاعا عن سايكس – بيكو، ولكن للحقيقة نشير الى ان الاتفاقية المذكورة وعكس ما يدعيه الفكر البعثي، لم يخلق حدود بين الدول العربية بقدر ما انطلق في ترسيم مناطق نفوذ الدولتين الفرنسية والبريطانية من واقع الدول الموجودة والحدود الموجودة انذاك مع ترك الباب مفتوحا في المستقبل لتعديل الحدود كما اشارت المادة (11) المشار اليها اعلاه.
ومع ذلك كله لا نفهم هذه الجغرافيا التي يريدوننا ان نتعلمها والتي قوامها معادلة واحدة موحدة لا غير: ان نكون كلنا خاضعين لارادة والي دمشق لانها الجغرافيا … لن نسرد في هذه العجالة تاريخ 1500 سنة من الصمود والتصدي ولشتى انواع الاضطهادات والاحتلالات التي حاولت على مر الزمن والتاريخ ابتلاع شعب عشقه للحرية والكرامة يضاهي تفانيه في ايمانه وعبادة خالقه – ومع ذلك دعونا نؤكد على ما يأتي:
اولا: لم يعد مجد لاحد لا في الداخل اللبناني ولا في خارجه القريب او البعيد ان يقرأ الجغرافيا على "طريقته" ووفق مصالحه واهوائه ومربض فرسه – لايهامنا ان هذه الجغرافيا غير عادلة وغير منصفة: فنحن كما اي شعب هو الذي يصنع جغرافيته السياسية ونحن كما اي شعب من يصنع تاريخه الجيو – سياسي، ونحن كما اي شعب من يمنع من ان تتحول الجغرافيا الى حكم اعدام مبرم بحق الشعوب الطواقة الى استقلالها وحريتها وسيادتها.
ثانيا: من قال ان عالم اليوم هو نفسه عالم سايكس – بيكو، عالم الحلفاء وزمن فرض شروط الانتصار في الحروب. فاليوم الكلمة للشعوب وليست للطغاة، والكلمة لحق كل شعب في تقرير مصيره وليست للمحتل او الغاصب او المنتدب. وبالتالي، فاننا في لبنان وكوننا نعرف الجغرافيا تماما يجب ان يدرك الاخرون باننا لسنا ابدا مضطرين للتسليم "بأمر واقع" ميؤوس منه يريدوننا اصدقاء وحلفاء سوريا في لبنان ان نمشي فيه كي نسلم.
ثالثا: لعل اهم انجاز تاريخي حققته حركة 14 اذار 2005 لمن لا يزال يوجه لثورة الارز سهام اليأس والتيئيس والانهزامية – هو في انها خلقت وللمرة الاولى منذ نشأة لبنان الحديث عام 1920 شبكة امام لبنانية اسلامية – مسيحية تعمل على ترسيخ القناعة بلبنان لبناني، لبنان وطن لجميع اللبنانين ارض الديمقراطية والحرية والتعددية والانفتاح على العالم، وليس على فقط على فكر واحد ونظام واحد ومعتقد واحد…
فنعم من حق لبنان واللبنانين ان يكون لهم لبنانهم – هويتهم الذاتية غير المذوبة بالخارج. ومن حق لبنان واللبنانيين ان يكون لهم دولة سيدة وحرة ومستقلة تلتزم القضايا العربية والاسلامية والانسانية الكبرى ولكنها لا تتحمل وحدها ومستفردة ومنفردة عن العرب والمسلمين والعالم اوزار قضاياهم… كما من حق لبنان ان يكون مرجع اللبنانيين ابنائه الاول وليس عواصم قرار قريبة او بعيدة ومرجعيات انظمة قريبة او بعيدة… بعبارة اوضح كفانا التلطي وراء الجغرافيا من اجل طمس شخصية لبنان وذاتيتنا اللبنانية المميزة – وكفانا التلطي وراء الجغرافيا لزيادة الشقيق الطامع طمعا والصديق الطامح طموحا… والعدو الفاجر فجورا… فجغرافيتنا السيدة والمستقلة رسمناها بدماء شهدائنا منذ 1975 وصولا الى 2011 – وهي جغرافيا اي دولة سيدة وحرة مستقلة تقيم علاقات محيطها وتحترم سيادة واستقلال المحيط في مقابل ان يحترم هذا المحيط استقلاله وسيادته وحقه في تقرير مصيره من دون تدخل او تورط في الشأن الداخلي…
رابعا: ان الجغرافيا في العلوم السياسية وعلم الدستور هي احدى ركائز قيام الدولة (مع الشعب والسلطة) ما يعني ان الجغرافيا ليست معدة اساسا لتكون لعنة الا بقدر ما يقتنع الشعب الخانع والخاضع والمستسلم بانها كذلك… الجغرافيا هي وعاء الشعب في استقلاله وسيادته وحريته ونظامه… ولا تعطي الحق لاي جار او قريب بالتدخل او الطمع او استهواء حكم الاخرين شعوبا ودولا – والا فاننا امام قاعدة جديدة في العلاقات الدولية مفادها بان كل دولة جارة لدولة اخرى يحق لها التدخل في شؤون دولتها الجارة متى رأت ان في ذلك حماية لها او مصلحة لها… فتخيلوا عندها الفوضى الدولية… لا بل نهاية الدول وتصارع الشعوب ببعضها وبين بعضها…
فمن باب اولى وانطلاقا من واقع تاريخنا وجغرافيتنا لا نقبل ان تكون الجغرافيا "فزاعة" لدى بعضهم ليدعونا بالتهديد والوعيد والترغيب الى التسليم بوصاية الاخرين علينا كائنا من كانوا – او تبقى الجغرافيا تهديدا لحق شعب حر في تقرير مصيره ودولته ونظامه السياسي – او لعنة تتبعنا حيث نذهب… لاننا نحن ايضا بالمقابل ومن الند الى الند لدينا ايضا اعتبارات امننا القومي واعتبارات احترام سلامة اراضينا… وسيادتنا… وارثنا وتاريخنا وحضارتنا وثقافتنا وتعدديتنا لا بل خصوصياتنا، فلماذا يحق لسوانا ما لا يحق لنا…؟
ولماذا يعتبرنا بعضهم في الداخل والخارج اننا قاصرون في بناء دولتنا وادنى من ان يكون لنا امن قومي نريد حمايته ومصالح نريد حفظها… مع العالم القريب والبعيد…؟؟؟ اليس لانهم هم من كانوا ولا يزالون يمنعوننا من ان يكون لنا كياننا ومصيرنا وحقنا في الوجود بمعزل عنهم؟
مفارقة غريبة ان تنادي الانظمة العربية والاقليمية التي تمارس الاستعمار ولو "المقنع" على دول عربية شقيقة لها باحباط واسقاط نظام الاستبداد والاستكبار والاستعمار العالمي…
كما هي غريبة حقا المفارقة التي تجعل بعض الدول العربية والاقليمية تشيد بحق الشعب المصري والتونسي في تقرير مصيره والمطالبة بحريته، فيما هي نفسها تمارس القمع والاستبداد والاضطهاد على من يتجرأ من ابناء شعوبها على المطالبة بحريته…
وغريبة ان تندد وتدعي تلك الانظمة العربية والاقليمية مواجهة الصهيونية والقمع الصهيوني للشعب الفلسطيني، فيما لا تتوانى هي نفسها عن ممارسة نفس الاساليب في خنق وقتل وتصفية القوى الديمقراطية والحرة في بلادها… واحيانا في احتلال اراضي الاخرين وادارتها مباشرة من مركز قرارها هي…
صحيح نعرف الجغرافيا… ولاننا نعرفها جيدا نسألهم هم ان كانوا يعرفون تاريخنا… والا فليتعلموه وليتفقهوه جيدا وبعمق… ان كانوا يريدون فعلا الابقاء على الجغرافيا…
