#dfp #adsense

اليقظة ؟

حجم الخط

العدد الاخير من مجلة "الايكونوميست" البريطانية تصدرت غلافه عبارة "اليقظة" مقرونة بقبضة تخرج منها مشاهد الجماهير التي خرجت الى الشوارع في مصر واسقطت نظام الرئيس حسني مبارك. وهي اسقطت عمليا نظام ثورة يوليو 1952 لكون مبارك كان وراثا شرعيا للنظام العسكري الذي قام عام 1952 على انقاض الملكية التي جرى الباسها كل مساوىء الدنيا، وهي بالتأكيد لم تكن اسوأ من الدكتاتورية العسكرية التي اعقبتها. و إذا كان ثمة من يحن الى مرحلة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فإن الحقائق التاريخية المثبتة تؤكد ان عبد الناصر كان دكتاتورا وجمع من السلطات و السطوة اكثر مما جمع الملك فاروق وارث محمد علي! وتشير الحقائق ايضا على ان عبد الناصر ايقظ مشاعر عربية وحدوية من ناحية، و من ناحية اخرى اتسم عهده بحروب عربية – عربية (اليمن – الاردن) و بهزيمة 1967. و ما تغلب على نتائجها إلا بالاعتماد على عاطفية المصريين و الشعارات التي أدخلها عقول ملايين العرب من المحيط الى الخليج .

ومرحلة يوليو 1952 امتدت الى 2011 بإنتقال التحالفات من الاتحاد السوفياتي الى الولايات المتحدة، و انتقال مصر من اقتصاد اشتراكي موجه ومتخلف الى اقتصاد رأسمالي متوحش ومولد للفوارق الاجتماعية. هذا المثال ينطبق على العديد من الديكتاتوريات العسكرية في المشرق العربي، وان يكن بعض آخرها القائم يرفع شعارات من مرحلة الانقلابات والحروب بـ"الميكروفونات" ويغرق منظومة الغرب التي يعلن عداءها لها بخدمات من كل نوع، و اهمها في الامن الاستخباري و بيع الوهم بأن الاستقرار لا بد ان تحرسه انظمة عسكرية تحول دون انتشار الاسلام السياسي. ولن نتحدث عن الملكيات والمشيخات التي لنا عودة اليها في مقال آخر نظرا الى تداخل عامل الثروات الفلكية بواقعها الاجتماعي – السياسي.

وبالعودة الى "اليقظة"، ثمة شعور بأن الشعوب العربية استيقظت. فعندما اشعل محمد البوعزيزي النار بنفسه ربما ما كان يعلم انه سيشعل مع جسده ثورات في العالم العربي، هذا العالم العربي الذي قيل في شعوبه انها كانت مخدرة ومستكينة وتتنفس خوفا وتقتات ذلا. واذ بالبوعزيزي يشعل النارفي الهشيم، بدءا من تونس وصولا الى مصر قلب العالم العربي وملهمته. فثورة تونس كانت الشرارة و الرسالة بأن حاجز الخوف يمكن كسره متى كان هناك تصميم. وثورة مصر كانت من حيث ضخامتها، وحداثتها وتنوعها وعمقها الثقافي التاريخي الثورة التي الهمت وستلهم كل الثورات العربية الآتية. فبعد مصر لن يعود العالم العربي كما كان. من اليمن الى البحرين الى المغرب الى الجزائر والآن وبالتحديد في ليبيا التي تختبر نوعا آخر من الثورات الفائقة الدموية، وتؤشر لنمط يمكن ان يتكرر في بلدان اخرى. فسياسة الارض المحروقة التي ينتهجها العقيد القذافي هي لصيقة الدكتاتوريات العسكرية العشائرية التي اكتسبت "شرعيتها" بالدم. وهو اليوم يختتم عهده بحمام من الدم لن ينجو هو منه مهما اتسمت المواقف الدولية والعربية بالخجل المقيت. فنهاية القذافي محتومة كيفما اتفق الامر. ولعل العنجهية التي خرج بها نجله سيف الاسلام في الرسالة الموجهة الى الليبييين أول من أمس تدلنا على النمط الذي يتربى عليه الابناء، ولا سيما أبناء الجزارين! يولدون على امل ان يرثوا شعوبا باسرها، ولا يتوانون عن اهدار دماء ابناء بلدهم متى احسوا ان "اللعبة" التي بين ايديهم تكاد تنزع منهم.

في مطلق الاحوال ان الشعوب العربية مارد استفاق وخرج من قمقمه ولن يعود اليه قبل ان يقلب صفحة من صفحات تاريخ العرب. وقد يكون أهم ما في "اليقظة" العربية الجديدة انها حطمت اسطورة ان الانظمة الديكتاتورية الجائرة والدموية والفاسدة هي الحاجز الامثل امام الاسلام السياسي العنيف. فهل كان جورج دبليو بوش على حق حين دعا الى نشر الديموقراطية كرداً على الارهاب، وقابلته الانظمة هنا بورقة الاستقرار والامن؟

لا يزال الوقت مبكرا للحكم على أحداث تتزاحم وبالكاد نقوى على اللحاق بها. وفي الانتظار، استعدوا ايها الطغاة العرب في كل مكان، فدوركم آت لا محال .

المصدر:
النهار

خبر عاجل