ما الذي يربط بين مكافحة الارهاب وحماية النظام وسلاح المقاومة المنقلب الى الداخل وعليه؟
ليس السؤال من ضمن برنامج "من سيربح المليون" الشهير، بل هو سؤال لمن يريد ان يربح الوطن ويقيم الدولة.
والجواب ان ما يجمع بين الثلاثة هو ما ينتج من التلويح بأي منها، اي تطبيق قانون الطوارئ في بعض الدول، وفرض الاحكام العرفية في دول اخرى، ولو من دون نصوص، كما في لبنان.
والحال ان اختلاف التسمية لم ينتج اختلافات في التطبيق، فـ"المنهاج" واحد: قمع الحريات، ودوس القوانين، والتصفيات الجسدية، والمحاكم الصورية، والاعتقالات التعسفية وزرع العسس. وفي المقابل، ادعاء صاحب الأحكام تمثيل طموحات الجماهير، وتحويل المحيطين به، من اقرباء وأنسباء ومريدين، الى قبيلة النظام التي في يدها السلطة، ولها المال العام، تنعم على من تشاء وتحرم من تشاء، ترعى الانتهازيين والنفعيين، وتصبح هي المرجعية في القيم والقوانين والاخلاق.
يعيش بعض الدول العربية في حالة طوارئ منذ اجيال: في سوريا منذ 1963، وفي مصر منذ 1981، وفي السودان منذ 1989، وفي الجزائر منذ 1992.
أدى سريان حكم "الطوارئ" المديد الى جعله حالة عادية في الدول التي لجأت أنظمتها إليه، برغم أن التسمية تشير إلى أنه استثناء يقر العمل به لمواجهة حالة طارئة أو وضع مفاجئ يصعب التعامل معه بالإجراءات العادية، وينتهي بانتهائها. إلا أن الدول، وبالأحرى الأنظمة التي طبقته سواء تحسبا لعدم استقرار سياسي مزعوم أو لتثبيت نظام سياسي جديد، إنقلابي طبعا وليس بالتداول الديموقراطي، استمرأته ووجدت فيه الحماية والضمان لاستمرارها، وهو ما جرى في سوريا والجزائر والسودان وموريتانيا ومصر. وفي الأخيرة كان التصدي لخطر الارهاب وتهديد الاستقرار بعد اغتيال الرئيس محمد أنور السادات في تشرين الأول 1981 هو ما دعا الحكومة المصرية إلى إعلان حالة الطوارئ.
لكن "الارهاب" كحجة هو احد اوجه "الحداثة" لدى أنظمة الطوارئ، ولا سيما في دول الطوق العربي. فالحجة الأصلية كانت، ولما تزل لدى البعض، العداء لاسرائيل، وانتظار اختيار مكان وزمان المواجهة معها، وهما الغطاء الواقي من المطالبات بالحرية والاصلاح السياسي والتطوير الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والعيش الكريم.
تجتهد الانظمة العربية في جعل حالة الطوارئ، أو الاحكام العرفية، من طبيعة الحياة اليومية لشعوبها، فتجرى الانتخابات النيابية والبلدية والرئاسية (ذات المرشح المنفرد) وكأن الناخبين أحرار فعلا، على رغم الضغوط العلنية والسرية، متجاهلة أنها تعاملهم كأدوات مسيرة بيدها لا دور لها في التفكير في مستقبل المجتمع.
ما علاقة كل ذلك بلبنان، وتحديدا بالسلاح المنقلب على الداخل اللبناني، ولا سيما بالوضوح الذي يمارس به دوره بعد حرب تموز2006 ؟
لا يتطلب التوضيح أكثر من النظر في الأدبيات والممارسة السياسية التي يعتمدها الحزب الحاكم وحلفاؤه في مخاطبة الرأي العام اللبناني، خصوصا منه جمهوره: بدل "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" حلت عبارة "حماية المقاومة"، وكل عمل سياسي يتعارض وتعزيز قبضة الحزب على القرار السياسي اللبناني هو "استهداف للمقاومة". وكما كل نقاش سلمي في رفع قانون الطوارئ أو الاحكام العرفية مرفوض من جانب الأنظمة الحاكمة، فإن نقاشا جديا على طاولة الحوار في استراتيجية دفاعية تشمل سلاح الحزب أمر مرفوض أيضا من جهته.
وكما أن كل نقاش في مصير سجناء الحرية وحق التعبير والتصفيات الجسدية للمعتقلين لدى أنظمة الطوارئ يحرك اتهامات بالعمالة لاسرائيل والصهيونية والمخابرات الأميركية، فإن الحديث المشابه عن جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ودور المحكمة الدولية في كشف المجرمين يلقى العزف على الوتر السياسي نفسه،فتصدح عبارات نفق الفتنة الاميركية – الاسرائيلية وصولا الى التخويف بفتنة سنية – شيعية من دون أن تنتهي عند اتهامات الخيانة والعمالة.
وكما تحرك أنظمة الطوارئ عسسها مع مطلع الفجر لترهب مواطنيها وتعتدي عليهم وتعتقل منهم من تعتقل، يتحرك العسس الاسود عند الفجر ليلوّح باستخدام القوة في وجه خصومه لينذر من يراوده حسن الظن في أنه يملك حرية قراره، مستندا الى تجربة سابقة له اسمها 7 أيار 2008، عرض فيها عضلاته ونيران أسلحته في وجوه المدنيين وأجسادهم.
ما يتميز به حكم الطوارئ في لبنان هو أنه ليس سلاح الدولة بل هو في يد نظام يتجاوزها، ويحل محلها، وحتى يعتلي صهوة سلطتها ويستهتر بقوانينها ويشتت مرجعيتها ويتصرف من موقع الوصي على أرضها وأهلها،وإذا ارتضى يوما فيء قانونها فتبريره أن ذلك من الايمان وليس من التزام المواطنية. فازدواج الجنسية ممنوع لديه فيما ازدواج سلطة الدولة مرفوض لدى غالبية اللبنانيين، وذلك لب الصراع.