بمناسبة اليوم العالمي للّغة الأم الذي اعتمدته منظمة اليونسكو، نظمت كلية الآداب في جامعة الروح القدس – الكسليك لقاء حول "التنوع الألسني الثقافي وتعدد اللغات"، افتتحه عميد الكلية الأب الدكتور كرم رزق بكلمة تناول فيها مفهوم اللغة، معتبراً أن اللبنانيين اختاروا منذ البدء التعددية الحضارية حتى أضحى من المستحيل في وطن "الأقليات" الإتنية والثقافية والدينية واللغوية التعرّف إلى اللغة الأم. وتساءل: "إذا كانت العربية اللغة الأم فكم من الناس يتقنها اتقاناً خالصاً؟ وهل تكفي سنوات التعليم منذ الحضانة حتى البكالوريا للتمكّن منها؟ من يستطيع مثلاً أن يكتب تعداد الأرقام بطريقة صحيحة دون أن يعود إلى القاعدة؟"… مؤكداً "أنه حيال هذه الأسئلة الألسنية ترانا ما نزال نتخبط خبط عشواء في بلبلة بابل، ولم نصل بعد إلى نور الانقشاع والرؤيا الواضحة، مع أننا نتمسك بالفصحى وبالعامية المحكية وبالتعددية اللغوية". وتقدم الأب رزق باقتراح "مشروع يجمعنا نحن معشر اللغويين المتخصصين باللغات السامية واللغات الهندو- أوروبية وهو تأسيس مركز دراسات لغوية متقدِّم يعنى بالبحث في أصول وفروع كل هذه اللغات"، معلناً انه قد تشكّلت لجنة لتضع الخطوط العريضة لهذا المركز اللغوي المنشود.
وشدد الدكتور أنطوان نجيم في مداخلته على "واجب الاهتمام باللغة العربية". واعتبر "أن إتقان اللغة العربية وامتلاك اللغات الأجنبية عنصران متلازمان في حقيقة مركبة واحدة قوامها التداخل والتلاقح والتكامل"، مؤكداً وجوب الإقرار بأن امتلاك اللغة العربية يحقق مكاسب كبيرة للمتكلم والكاتب ضمن العالم العربي، ومشدداّ على ضرورة إفراد دور مهم لهذه اللغة على صعيد التعليم بمختلف مراحله ولاسيما الجامعية منها، أكان ذلك بتعزيز الاختصاصات المرتبطة بالعربية في حدّ ذاتها، لغة وأدباً وحضارة وفلسفة واقتصاداً وقانوناً وفنوناً متنوّعة وعلوماً مختلفة، أم كان ذلك بتعزيز استخدام اللغة العربيّة في سائر الاختصاصات الأكاديمية. كما قدّم عدة اقتراحات يمكن تحقيقها عبر إجراءات عملية تسهم في تعزيز اللغة العربية، قبيل الإنتساب إلى الجامعة، أثناء التحصيل وبعده. من هذه المقترحات: إجراء اختبار للأهلية بالعربية، إلزام الجامعات المرشّحين إلى الإنتساب إليها بمقرّرات تأهيل مسبق باللغة العربية، بناءً على نتائج اختبار مستوى الأهلية… واختتم لافتاً إلى "أنه بالإمكان تعزيز الترجمة من وإلى العربية. كذلك بالإمكان تعزيز الحوافز للتعليم وإجراء الأبحاث في العربيّة. فالمهمّ بروز الإرادة والقرار بتعزيز اللغة العربية".
وألقت الدكتورة روزي غناج مداخلة بعنوان: "تعلّم أولادنا لغتهم الأم: تململ وملل"، عرضت فيها دراسة ميدانية أجرتها مع 100 تلميذ وتلميذة تتراوح أعمارهم ما بين 9 و12 سنة عن رأيهم حول تعلم اللغة العربية والصعوبات التي يواجهونها أثناء التعلم والأسباب التي تعيق ذلك. وبعدما أشارت إلى أن معظم نتائج إجابات التلامذة كانت سلبية، شددت على وجوب إعادة النظر في جميع مكونات منهج اللغة العربية، من أهداف عامة وأهداف تعلّمية وكفايات، وكتب ومواد تعليمية وتكنولوجيا، وطرائق التدريس وإدارة الصف، إضافة إلى إيجاد بيئة تعلّمية تحاكي واقع الطالب، ومعرفة استعمال ودمج التكنولوجيا وتقنيات التواصل السليم والهادف، واعتماد البنائية كأساس لحل المشاكل.
وركّز الدكتور جوزيف شريم على العلاقة بين اللغة الأم (مهما كان تحديدها واتساعها) باللغة الأجنبية (أو اللغات الأجنبية) وبلغة التواصل العالمي (أي ما يسمّى بـ Lingua Franca.)، متناولاً اللغة الأم، أوّلاً في مرحلة الطفولة، وثانياً في الإطار المدرسي وعلاقتها بتعلّم اللغة الأجنبية، وثالثاً في الإطار الجامعي وعلاقتها بلغة التواصل العالمي، مختتماً بظاهرة التنكّر لها في بعض المجتمعات. واعتبر أن اللغة الانكليزية أصبحت لغة التواصل في الميدان العلمي الحديث، من جراء هيمنة الولايات المتحدة الأميركية اقتصادياً وثقافياً، معدداً فوائد لغة التواصل العالمي ووجهها السلبي. كما واقترح حلّاً للآثار السلبية لهيمنة الإنكليزية وللمحافظة على التعدّدية اللغوية يثمثّل في جعل الأنظمة التربوية في جميع بلدان العالم تعدّ مترجمين متخصصين في مختلف العلوم، قادرين على امتلاك لغة أجنبية واحدة أو أكثر، بإمكانهم تأدية دور الوسيط بين مقومات المجتمع الدولي ونقل الكتب المنشورة في اللغات المختلفة. مما يساعد على الانفتاح الضروري بين بلدان العالم أجمع. ومن يتخصّص في هذه اللغات (أي المترجم) يطلب إليه حتما نقل الكتب القيّمة من وإلى هذه اللغات.
ثم كان فاصل موسيقي مع بياريت رميا، تلاه مداخلة ألقاها الدكتور طلال وهبة حول لغة اللبنانيين الأم، سعى فيها إلى الإجابة عن ثلاث أسئلة رئيسية: كيف نحدِّد اللغة الأم؟ إلى أي حد تشكل الفرنسية والإنكليزية لغتين منافستين للبنانية كلغة أم؟ هل يوجد علاقة خاصة بين اللهجة اللبنانية المحكية والعربية الفصحى المعاصرة؟ وخلص إلى أنَّه من المنظور الإجتماعي والثقافي، إن التيار الإجتماعي السائد الذي يعتبر أن الفرنسية أو الإنكليزية هي لغة اللبنانيين الأم، لا يعمل بشكل جدي على تحقيق التحول اللغوي في المجتمع اللبناني على المدى الطويل. وقال: "وأنا أعتقد أن اللبنانيين الذين يعتبرون اللغة الفرنسية أو الإنكليزية لغتهم الأم لا يعيرون أي أهمية لهذا التحول، الذي إذا ما تحقق، سيمحو بطريقه ما يعتبرونه بالدائرة الثقافية المميزة".
أما الدكتور ميشال زكريا فتطرق إلى التعايش بين الفصحى والعامية في اللغة الأم، متحدثاً بإسهاب عن فصحى التراث، اللهجات في الجاهلية، اللغة العربية الحالية، تطوّر اللغة العربية، اللهجات العربية الحالية، الازدواجية اللغوية واكتساب اللغة وتدريسها.
وفي الختام سلّط الدكتور يوسف عيد الضوء على موضوع "اللغة الإعلامية: مسايفة أم مؤالفة في الإعلام؟" معتبراً "أن هذه المسألة قد شكّلت وتشكل قلقاً تساؤلياً عند المهتمين بالشأن اللغوي والإعلامي بنوع خاص".
وقد خلص في الختام إلى التوصيات التالية: تعاون المعاهد الإعلامية وإدارات الإذاعات والتلفزة على إنجاز كتاب الطراز الإذاعي التلفزي المتغيّر المتطوّر متضمناً، ضبط الكلمات الشائعة مع كلّ ما له صلة بضمانة النطق العربي السليم، الكشف عن أبرز الأخطاء اللغويّة وتصويبها مما يحتّم الحذر من الوقوع فيها، تشكيل فريق بحث يضع تصوّراً حضارياً متطوراً لما ينبغي أن تكون عليه لغة الإعلام، اعتماد مجموعة من الخبراء اللغويين في كل مؤسسة إعلامية للإجابة عن أي استفسار لغوي مستحدث، تضمين تدريس العربية بشكل مباشر أو غير مباشر اللغة الخطابية ومفاصلها الأساسية مع خضوع الدارسين لدورات متخصّصة، اعتبار مهارة الطالب اللغوية مشافهة وكتابة شرط أساسي من شروط العمل الإعلامي، التشدّد على المؤهلات اللغوية الأساسية التي ينبغي توفّرها عند من يتولّى تعليم لغة الإعلام، توفّر المعاجم والموسوعات الشاملة في مجالات العمل الصحفي والتلفزي والإذاعي، والتدقيق في الاستفادة من ( العاميّ ، الفصيح ) في العبارة الإعلاميّة.