فقدت الموسوعة الإلكترونية "ويكيبيديا" عقلها. كيف تصدق أن شاباً من مواليد 1970 درس الهندسة المدنية، تمكن من الموازنة بين تحمّله مسؤولية العلاقات السياسية في أحد أكبر الأحزاب اللبنانية، وإصلاح، خلال سنتين فقط، ما أفسده الدهر في وزارتي الاتصالات والطاقة، وها هو يستعد لإصلاح وزارة الداخلية والبلديات…
أثبت العونيون، سواء أكانوا في لجنة المال والموازنة مع النائب إبراهيم كنعان، أم في مجلس الوزراء مع الوزير شربل نحاس، قدرتهم على تقديم مشروع مالي بديل للمشروع الحريري، ما أعطى صدقية لمطالبتهم المستمرة منذ أربع سنوات بالحصول على وزارة المال، باعتبارها "البوابة لكل عمل إصلاحي".
لكن فجأة تغيّر كل شيء. ظهر عرف جديد يُبقي التوزيع الطائفي للحقائب كما كان في حكومة سعد الحريري، لسحب مبرر اتهام تيار المستقبل الرئيس نجيب ميقاتي بتعزيز حصة إحدى الطوائف حكومياً على حساب طائفة أخرى. واستكملت المفاجأة الأولى بثانية تتمثل في قبول النائب ميشال عون مبتسماً العرف الجديد. هو الثائر أبداً على الأعراف. وهكذا، من دون صراخ، أقلّه للمناورة، تخلت قيادة التيار الوطني الحر للمرة الأولى منذ ست سنوات عن أحد مطالبها، من دون أي مقابل.
لاحقاً، سقط تبرير العونيين تخليهم عن المطالبة بوزارة المال بمراعاة هواجس ميقاتي. فإصرارهم على الحصول على وزارة الداخلية كان أحد أسباب تأخّر تأليف الحكومة نحو أسبوعين، مع العلم بأن إعطاء ميقاتي وزارة الداخلية للعونيين يحرجه سُنّياً أكثر من إعطائهم وزارة المال، بحكم تحويل "المستقبل" الداخلية إلى ما يشبه الجهاز الأمني الخاص بالطائفة السنّية، والارتباط الوثيق بين فرع المعلومات والتحقيق الدولي بجريمة 14 شباط.
المفاجأة من الوداعة العونية في التخلي عن وزارة المال تتبدد حين يتبيّن ممّا يتداوله الوزير محمد الصفدي في مجالسه الخاصة أن الوزير جبران باسيل كان هو من أقنعه بأن يقترح على ميقاتي إعادة توزيع الحقائب طائفياً كما وُزّعت في حكومة تصريف الأعمال، ليكون باسيل بذلك هو المبادر إلى تشجيع ميقاتي على الاحتفاظ بوزارة المال، وهو من سمّى الصفدي وزيراً للمال، قبل أن يتكفّل باسيل نفسه بإقناع الجنرال باحترام الأعراف المستحدثة، ليضع العونيون بعدها مطالبتهم بوزارة المال جانباً ويبدأوا المطالبة بالحصول على الحقيبة السيادية المارونية، وزارة الداخلية والبلديات، باعتبارها حقاً مشروعاً لأكبر كتلة مارونية في المجلس النيابي.
وبعيداً عن المفاجآت، يتبيّن أن شخصين أو ثلاثة كانوا مرشحين لحمل حقيبة المال لو تصالح تكتّل التغيير والإصلاح مع نفسه وأكمل مطالبته بها، هم: الوزير شربل نحاس، النائب إبراهيم كنعان والمدير العام لوزارة المال آلان بيفاني. وبالتالي، كانت ستسند الوزارة السيادية إلى شخصية عونية غير جبران باسيل، الأمر الذي لا يمكن المنطق تقبّله. وهو ما استدعى التخلّي عن شعار التغيير والإصلاح المنادى به منذ سنوات، وشجّع الجنرال على القبول من دون قيد أو شرط بالاقتراح الجديد، مع العلم بأن من بين مئات الضباط المتقاعدين الذين أثبتوا في عشرات الاستحقاقات وفاءهم للجنرال وسعة آفاقهم، ما من مرشح عوني لشغل موقع وزير الداخلية إلا وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال. ويفترض الأخذ في الاعتبار عند التفكير بباسيل في الداخلية أن أحد الانتقادات العونية الأساسية لتولّي زياد بارود مسؤوليات وزارة الداخلية كان افتقاره إلى الخبرة! فضلاً عن أن "الحكومة المقبلة ستبقى حتى موعد الانتخابات التي يحتمل أن يشارك فيها بارود ترشيحاً، ما يجعل وزير الداخلية الذي يفترض به الإشراف على العملية الانتخابية، طرفاً"، مع العلم بأن باسيل سيكون مرشحاً في الانتخابات المقبلة، ومن التقاه أخيراً في منزله البتروني يؤكد اقتناع معاليه بأن طريقه إلى المجلس النيابي لا بدّ من أن تمر في الصنائع حيث وزارة الداخلية. يعد معاليه بفتح أبواب مديرية الأمن العام وغيرها أمام البترونيين. يعد بالإغداق على بلديات البترون بأموال البلديات المحفوظة في وزارة الاتصالات، ويعد نفسه بأن يكون محافظ الشمال الجديد وقائمقام البترون من أزلامه الأوفياء. ولا يشك معاليه في أنه إلى الصنائع ذاهب: حزب الله لا يثق بغيره لفصل التواصل والتنسيق بين فرع المعلومات والمحكمة الدولية، ودمشق ترى في ترؤسه وزارة الداخلية وسيلة لمحاصرة القوات في الشمال.
في التيار الوطني الحر لا مشكلة ولا تململ حتى. باسيل للطاقة، باسيل للاتصالات، باسيل للداخلية، باسيل للبلديات وباسيل للاتصالات السياسية. حيثما حلّ هذا الشاب يحلّ معه الإصلاح والتغيير وتحدث المعجزات: في وزارة الاتصالات حيث لا يزال عبد المنعم يوسف الذي يصفه العونيون برمز الفساد يحكم بأمره، دليل على ذلك. وفي وزارة الطاقة حيث لم يحصل أي تغيير في مؤسسة كهرباء لبنان ويستمر تحييد بيروت عن التقنين، دليل على ذلك. وفي علاقات التيار الوطني السياسية المقطوعة مع الأقربين (معظمهم باستثناء حزب الله والقيادة السورية) والأبعدين، أكثر من دليل على ذلك.
انتظر باسيل طويلاً هذه اللحظة. يغمض عينيه ويحلم: بعدما "عيّط" على إعلاميين وأهان سياسيين وأصلح وقفته محاولاً بفشل تقليد الجنرال، سيرى أخيراً الجنرالات والضباط يؤدّون له التحية العسكرية، كأنه جنرال أو كأنه الجنرال.