يغلب على اللبنانيين شعور لا صلة له بكل المواقف المصطنعة للساسة والسياسيين من الدمينو العربي المتسارع الحلقات على نحو مذهل. يبدو هذا الشعور أقرب الى طمأنة الذات بأن لبنان "خدم عسكريته" في الثورات والانتفاضات وآن الأوان لأبنائه ان يستكينوا وكفاهم زاداً من الفوضى المتدحرجة بعدما ذاقوا طعمها عشرات المرات حتى الثمالة في أكثر من أربعة عقود.
ربّ قائل إنه شعور انهزامي و"انعزالي" أو "شوفيني"، فلا بأس ما دام ثمة الكثير مما يبرره واقعياً خصوصاً ان الدافع اليه ساهم في زرعه كثر من ابطال الديكتاتوريات والمستبدين على رأس أنظمة عربية مثلما كرسه واقع لبنان الداخلي نفسه بأبطال الانقسام والحروب المتعاقبة. وبمقدار ما يفرح اللبنانيون "للرعايا" والشعوب العربية في انعتاقها من ممالك الاستبداد والطغيان والفساد وخروجها الى نور الحريات والديموقراطيات المأمولة، لا يمكنهم ان ينعزلوا عن ذاكرة جماعية لعلها واحدة من جوامع مشتركة نادرة بينهم تعجز تصنيفات 8 و14 آذار عن طمسها.
لقد "تفرّج" العالم العربي على لبنان طوال العقود الأربعة في اقل التقديرات، ناهيك عن تورط مخرّب للعديد من أنظمته في حروبه وأزماته المتعاقبة. ولم تحرّك أقصى النزعات اللبنانية الى القومية العربية وحتى المقاومات اللبنانية لاسرائيل ومعارك التحرير ساكناً يذكر لدى "النظام العربي" ما خلا القليل من الدعم المالي اللاحق. قيل الكثير عن "تواطؤ" ضمني في بدايات الحرب اللبنانية بين النظام العربي واسرائيل لأن لكليهما مصلحة دفينة في وأد الديموقراطية اللبنانية واشعاعها بعد حقبة "انفجار" الازدهار اللبناني في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وحتى حين انبرى اللبنانيون قبل ست سنوات الى انتفاضة استقلالية، يرتسم الكثير من ملامحها "المستنسخة" الآن في عواصم "الدومينو" الثائر ومدائنه العربية، نادرة كانت الشعوب العربية المقموعة التي تجرأت على التصفيق للاشقاء في الوطن الصغير المتجرئ على كسر القيد.
في المقابل لم يوفر اللبنانيون مع تآلب الدهور عليهم أي ثورة أو انتفاضة أو حرب تحرير أو مقاومة إلا و"فعلوها". كل من طوائف لبنان (ولا نقول شعب لبنان كاملاً) قامت بوفاء النذر على طريقتها وبفعل من تركيبته. حتى ان الثورات والمقاومات استنفدت أو كادت تستنفد أهدافها ولم تتعب الطوائف من مزيد ومزيد. بذلك يمكن التبرير للبنانيين هذا الشعور "الشوفيني" ولو بدا للبعض بأنه خاطئ وخطير. ولكن سيصعب على اللائمين أن يقنعوا مواطني هذا "الثغر" العربي، المتفرد أصلاً بديموقراطية خاصة به وبتركيبة عجائبية، بأنهم ليسوا محقين في الاسترسال في شعور ينبئهم بأن بلدهم، وعلى رغم مما لا يزال يعترضه من أزمات، أضحى القلعة الوحيدة العاصية على الإعصار العربي المتدحرج. بل لعل لسان حالهم يقول إنه فعلاً البلد الذي "قوته في ضعفه" و"ضعفه في قوته"، بمعنى انه يستقوي بأنه صاحب الفضل الأول في الانتفاضات والمقاومات ولكن منظومته الطائفية – الديموقراطية، التي تشكل خاصرته الرخوة، هي ضمانه لوقف الدومينو عند حدود لبنان وعدم فتح الأبواب أمامه وتشريعها للفوضى.
واقع الحال انه شعور المتعبين أكثر منه شعور المتفوقين، مهما أخضعت هذه الحقيقة لتجميل كاذب. ولكن من قال إنه لا يحق للبنانيين بأن يرتاحوا؟ ومن قال إن الاستقرار ليس سرهم الدفين بل حلمهم الهائم دائماً حتى لو جعلهم في هذا الزمن العربي التاريخي، الذي يصنع فجراً جديداً، ينطوون على بعض "انعزال" ولو هتفت أصواتهم بالتهليل للشعوب الثائرة في مدّ الغضب على الاستبداد؟
هل يعني ذلك ان لبنان عصي فعلاً على انعكاسات هذا المدّ الثائر؟ قطعاً لا، ومن الخطورة بمكان الاستكانة الى شعور من هذا النوع "الوجداني"… وللبحث صلة.