صار ثابتاً على ما يقول متابعون لعملية تأليف الحكومة الجديدة، غير الناضجة حتى الآن، ان هناك عقبتين حقيقيتين وضخمتين، تحولان وبوضوح دون نجاح الرئيس المكلف نجيب ميقاتي في انجاز مهمته.
الأولى، يمثلها اصرار زعيم "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون على ان يختار بنفسه، أو بالأحرى على أن يسمّي بنفسه، غالبية الوزراء المسيحيين، وتحديداً 12 منهم. وهذا موقف لا يمكن أن يقبله ميقاتي، ولا أي رئيس مكلف آخر سواء من عون أو من غيره من الزعماء، مسيحيين كانوا أم مسلمين. ذلك أنه يمثّل تعدياً على صلاحيات الرئيس المكلّف اثناء تشكيل الحكومة. كما يمثّل تعدياً على صلاحيات رئيس الجمهورية الذي لا تصدر مراسيم تأليفها في غياب توقيعه عليها، والذي فرضت احكام الدستور عليه وعلى الرئيس المكلف التشاور قبل انجاز الصيغة النهائية للحكومة. وهو يمثل ايضاً تعدياً على صلاحيات رئيس الحكومة، بعد مباشرتها العمل في اعقاب مثولها امام مجلس النواب ونيلها ثقته. فـ"المَونة" على اثني عشر وزيراً داخل الحكومة يعني ان "المائن"، وهو هنا العماد ميشال عون، يمتلك الثلث الضامن، او بالأحرى المعطّل، الذي كان احد أهم انجازات اتفاق الدوحة عام 2008. ويعني ايضاً انه يستطيع ان يشلّ الحكومة ساعة يريد، اذا لم يرضخ سائر أعضائها، فضلاً عن رئيسها، ومعه رئيس الجمهورية الى مشيئته وقراراته ومشروعاته. وذلك ممكن بطريقتين أولاهما تعطيل نصاب جلسة مجلس الوزراء او جلساته بالانسحاب منها عندما تقضي مصلحته بذلك. وثانيتهما الاصرار على التصويت على مشروع يريده او يرفضه، في مجلس الوزراء اقتناعاً منه بقدرته وبواسطة الثلث المعطل على تأمين موافقة مجلس الوزراء على مشروعه أو على حجبها عن المشروع الذي لا يرى فيه فائدة له شخصية او سياسية او فئوية.
اما التعدي الأبرز على صلاحيات رئيس الحكومة ومجلس الوزراء الذي تمثله مطالب "الجنرال" عون التعجيزية، فيظهر وفي وضوح وباصراره على تولي احد وزراء كتلته (التغيير والإصلاح) وزارة الداخلية، وعلى تولي عضو آخر منها وزارة الدفاع. ويعني ذلك في وضوح تام، انه يخطط لأن يصبح الحاكم المطلق، أو بالأحرى الاول للبنان من خلال الوزارتين السياديتين المذكورتين. ويعني ايضاً، انه بتخطيطه هذا، يحاول ان يحقق أموراً ثلاثة. اولها، ممارسته هو، اي العماد ميشال عون المسيحي الماروني، صلاحيات الحاكم الاول والمطلق للبنان. وبذلك يحقق وإن على نحو غير مباشر، هدفاً عاش معه سنوات طويلة، قبل تبوُّئه رئاسة الحكومة الانتقالية العسكرية عام 1989 وبعد انتقاله منها الى المنفى الفرنسي، واخيراً في اعقاب عودته المظفرة الى لبنان. وهذا الطموح هو الوصول الى رئاسة الجمهورية والتحوّل حاكماً مطلقاً له. وثاني الأمور، الانتقام من رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي "شلَّحه"، وبعد اجتماع الدوحة عام 2008 ثم الاتفاق الذي سمي باسمها، رئاسة الجمهورية، وكان مقتنعاً بأنه سيعود بها له وحده من عاصمة قطر، وبانتقامه هذا يستعيد لنفسه ولطائفته صلاحيات "رئاسية" نزعها "الطائف" ثم "الدوحة" من المسيحيين وتحديداً الموارنة. وبه ايضا يعد نفسه للظفر بقصر بعبدا في الانتخابات الرئاسية المقبلة اي التي يفترض ان تجري عام 2014. اما ثالث الامور، فهو الاعداد من خلال الثلث المعطل او الضامن او الحاكم في الحكومة العتيدة، وتحديداً من خلال وزارتي الداخلية والدفاع، لانتخابات نيابية يفترض ان تجري عام 2013، للمجيء بكتلة نيابية شاملة بتمثيلها المسيحي، وقادرة بتحالفاتها النيابية الاخرى على الامساك بالبلاد وعلى حكمها من مقر الرئاسة في بعبدا بعد نحو سنة.
ما هي العقبة الصعبة او الضخمة الثانية التي لا تزال تحول دون نجاح الرئيس المكلف نجيب ميقاتي في تأليف الحكومة الجديدة؟
"هي المحكمة الخاصة بلبنان"، التي يسمّيها اللبنانيون المحكمة الدولية. فالرئيس ميقاتي اعلن اكثر من مرة، منذ تكليفه تأليف الحكومة، سواء امام الاعلام اللبناني والعربي والاقليمي والعالمي، او امام سفراء الدول المعنية، من عربية واجنبية وغيرهم من الموفدين الديبلوماسيين، ان لهذه المحكمة شقاً خارجياً لا يستطيع ان يفعل حياله شيئاً. اي باختصار لا يستطيع ان يلغيها اي قرار يتخذه لبنان، وإن على اعلى المستويات المؤسساتية. واعلن ايضاً أن لها شقاً داخلياً، وأكد انه جاهز للعمل على ايجاد حل له عبر قنوات ثلاث تعمل معاً هي الحوار اللبناني – اللبناني، واجماع اللبنانيين والتغطية العربية. طبعاً يقول البعض ان ميقاتي أسر نفسه بهذا الاعلان، فهو من جهة التزم، وإن على نحو غير مباشر، امام المتمسكين بالمحكمة في الداخل والخارج بعدم "الغائها"، أو بالاحرى بعدم فك ارتباط لبنان بها بقرار احادي يصدره مجلس وزراء لا يمثل اجماعاً وطنياً. لكنه من جهة اخرى كان التزم سابقاً وإن من دون أن يعلن ذلك، العمل على انجاز فك الارتباط المذكور، عندما قَبِل أن يكون مرشحاً لرئاسة الحكومة من فريق لبناني يمتلك "غالبية سياسية"، اسقط حكومة الرئيس الحريري لرفضها فك الارتباط هذا، وأيده هو (اي ميقاتي) اقتناعاً منه بأنه سينجز هذه المهمة.
كيف سيتصرف الرئيس المكلف حيال العقبتين المفصلتين اعلاه؟
أولاً، يؤكد متابعو حركته الحكومية أنه لن يقبل، واياً تكن العواقب، ان يتحول عون وجماعته حكاماً للحكومة بل للدولة. ويعربون عن اعتقادهم انه عندما يحين أوان تأليف الحكومة عند القادرين، وهم داخلياً "حزب الله"، وراعيه الاول، وخارجياً سوريا، فان تدخلاً ما معه من قبلهما لا بد ان يقنعه بخفض سقف مطالبه. لكن من دون تعمّد اضعافه أو مس كرامته وشعوره. والعوامل التي تجعلهم مطمئنين لذلك كثيرة. وثانياً، يؤكد المتابعون انفسهم ان ميقاتي حاضر دائما للتوصل الى تسوية في شأن المحكمة Compromise تحظى بقبول اللبنانيين كلهم على انقساماتهم المعروفة. لكنه ليس حاضراً، ولن يكون حاضراً، لاتخاذ موقف يعتبره السنّة عموماً ضدهم او الشيعة عموماً ضدهم او المسيحيين عموماً ضدهم او سوريا ضدها. وهو قد يفاجىء الجميع في حال كهذه بطرح صيغة حكومية على رئيس الجمهورية ترضي رؤيته الوطنية والسياسية كما ترضي الرئيس. فاذا صدرت مراسيمها يذهب الى المجلس كما قلنا قبل يومين في "الموقف". فإما تنال ثقته وتحكم، وإما تسقط فتعيش ولكن كحكومة تصريف أعمال ولمدة طويلة ربما. طبعا يبقى امامه خيار آخر هو الاعتذار. لكن اعتقاد المتابعين انفسهم لحركته الحكومية يعتقدون ان احداً لن يدفعه اليه وتحديداً "القادرون"، لأن البدائل قد تضع البلاد في مواجهة خطرين: الاول، خطر الانهيار الداخلي في ضوء الضغط الخارجي الكبير المنطلق من دوافع سياسية، وإن مستنداً الى "ادلة قانونية". والثاني، خطر انفجار غضب شعبي، وإن فئوياً، على غرار الانفجارات العربية المتتالية. واخطر ما في هذا الانفجار، أنه لن يوصل الى حل، كما حصل في مصر أو تونس، بل سيوصل الى حرب اهلية.