#adsense

ست سنوات مضت ولا يزال شاغل الناس

حجم الخط

مضت ست سنوات على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولا يزال كما كان في حياته، مالئ الدنيا وشاغل الناس. ست سنوات هي مدة قصيرة في تاريخ الشعوب والاوطان، لكنها كانت طويلة في تاريخ لبنان واللبنانيين، لما حفلت به من احداث دامية وانقسامات وطنية واشتباكات مذهبية وتجاذبات سياسية وتهديدات داخلية وتدخلات خارجية واعتداءات اسرائيلية. ست سنوات عاشها اللبنانيون في خوف على حيواتهم وممتلكاتهم، وقلق على حاضرهم ومستقبلهم، وقهر على هجرة ابنائهم الى بلاد يجدون فيها الامان والطمأنينة على مستقبلهم والاحترام لشهاداتهم والتقدير لكفاياتهم وخبراتهم. ست سنوات واللبنانيون ينتظرون كشف الحقيقة الصادقة في اغتيال الحريري والاغتيالات السياسية الاخرى، واحالة المتورطين فيها على المحكمة الخاصة بلبنان التي ناضل قسم كبير منهم من اجل انشائها، وانزال العقوبات الصارمة بهم، حتى تتحقق العدالة وترتاح ارواح الشهداء وتهدأ نفوس اهاليهم وخواطر محبيهم.

ست سنوات مضت واللبنانيون في حسرة ولوعة على غياب من انتشل بلدهم من كبوته، وعمل على اعادة بنائه وتطويره بحسب رؤاه الصاقبة معتمدا على كفايات أبنائه واندفاعهم. واستطاع اثارة الاعجاب باعادة لبنان الى الخريطة العربية بلداً متألقاً ومزدهراً ووجهة محببة للسياحة والاستثمار. واستخدام علاقاته القوية بالقيادات العالمية المؤثرة في تعزيز موقع وطنه في الخريطة الدولية، ما ساعد اللبنانيين في بلاد الاغتراب على تخطي الكثير من الصعاب والعقبات.

ست سنوات مضت حاول الكثيرون خلالها اخفاء الحقيقة او تحويرها بحسب مصالحهم، فمنهم في الداخل، من انقلب على التزاماته في البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية التي كان مشاركا فيها، بتأييد المحكمة الدولية ومواصلة التعاون معها، وأخل بتعهده في "اتفاق الدوحة" عدم الاستقالة من الحكومة او اعاقة اعمالها، وما فتئ يستخدم كل الوسائل من اجل نزع الشرعية اللبنانية عن المحكمة الدولية التي قد تتهم بعض عناصره بالتورط في جريمة الاغتيال. وكان الاحرى به اثبات براءتهم في المحكمة بالأدلة والقرائن المضادة، بدلا من الهروب الى الامام بتأزيم الاوضاع السياسية وزيادة الشرخ الوطني وفتح الساحة اللبنانية على مصراعيها امام التجاذبات الاقليمية والدولية. ومنهم، في الخارج، من يحاول الغاء المحكمة الدولية دفاعا عن حلفائه في لبنان أو حماية لنفسه من كشف تورطه في الاغتيال، ومن يضغط عليها لتتبنى اهدافه ومطالبه من اجل تعزيز موقعه في مفاوضاته مع خصومه. اما ولي الدم، فانه كان على استعداد للعضّ على جروحه وطي صفحة الاغتيال والعدالة، من ضمن مشروع متكامل يتضمن المصالحة الوطنية الشاملة وتعزيز دور الدولة وسلطتها وترسيخ الوحدة الوطنية وتثبيت الاستقرار السياسي والامني وتفعيل العمل الحكومي وسحب السلاح من الميليشيات اللبنانية والمعسكرات الفلسطينية خارج المخيمات.

ونحن على يقين من أن محاولات الذين يريدون الغاء المحكمة او حرف مسارها لن تجديهم نفعا، نتيجة دعم المجتمع الدولي لها وصدقية قضاتها ونزاهتهم وكفاياتهم المهنية العالية وماضيهم الناصع. ونبقى على أمل في ان تتوصل المحكمة بالادلة القاطعة، وبصورة لا لبس فيها ولا غموض، الى كشف اسباب الجريمة ودوافعها واسماء المخططين والمحرضين والمشاركين والمنفذين.

ست سنوات مضت وتزداد الازمة السياسية حدة وتعقيداً، وتتمحور الموضوعات الخلافية الكبيرة اضافة الى المحكمة الخاصة بلبنان، على دور لبنان في الصراع العربي – الاسرائيلي حيث يريد البعض ربطه بمحور "الممانعة" وزجه في صراعات المنطقة وتحميله اكثر من طاقته، ودور سلاح "حزب الله"، بعدما تحول عن مهمته الاساسية في مقارعة العدو الاسرائيلي الى ارهاب اللبنانيين والضغط على بعض القوى السياسية اللبنانية من اجل تحقيق اهداف الحزب وحلفائه الاقليميين، ما أدى الى الانقسام العمودي بين المكونات الطوائفية للمجتمع اللبناني، الذي زاد من حدته الانقلاب السياسي على نتائج الانتخابات النيابية الذي تم تحت التهديد بالنزوال المسلح الى الشارع. وتباطأت خلال هذه السنوات مسيرة الدولة وتقلصت خدماتها ومشاريعها الانمائية، وسيطر على دوائرها الاهمال والفساد والرشوة، وعمت البطالة صفوف الشباب، وازدادت معاناة المواطنين في تأمين ضروريات الحياة، من مياه وكهرباء، وضعفت الحركة الاقتصادية، وتفاقمت الاحوال المعيشية سوءاً.

ست سنوات مضت واللبنانيون لا يزالون يتحسرون على غياب رجل عصامي، أتى من عائلة متواضعة، وبنى ثروته الطائلة واسمه اللامع بالجهد والمثابرة. وساهم في تشغيل الكثيرين من ابناء مدينته صيدا في مشاريعه الخاصة، وقدم المساعدات الى جمعيات المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية والانسانية في لبنان حتى تستطيع مواصلة اعمالها. وارسل الآلاف من شباب لبنان، من مختلف الطوائف، للدراسة في كبرى الجامعات الاجنبية، حتى يبعدهم عن أتون الحرب اللبنانية وكي يتسلموا المراكز القيادية في الدولة لدى انتهاء الحرب. وشارك بفاعلية في المؤتمرات والاجتماعات التي تناول البحث فيها الازمة اللبنانية، وكان له الدور الرئيس في "اتفاق الطائف" الذي انهى الحرب اللبنانية.

وتعرض خلال توليه رئاسة مجلس الوزراء الى الكثير من المناكفات والمضايقات من سلطة الوصاية وحلفائها، منعته من تحقيق حلمه في بناء الدولة القوية القادرة المرتكزة على المؤسسات المتطورة بقيادة نخبة من الشباب الاكفياء والنزهاء، لكنه على رغم ذلك، استطاع اعادة اعمار لبنان واعادة الوهج اليه، وتعزيز العيش المشترك بين مكوناته، والمحافظة على استقراره الامني والمالي، وابعاده عن حرائق المنطقة، وذلك بفضل جهوده المتواصلة، ورؤاه السليمة، وحكمته البالغة في التعامل مع الملفات الشائكة، وخبرته الفائقة في تدوير الزوايا، وعلاقاته المتينة بقادة الدول العربية والاجنبية الفاعلة.

ومع اطلالة السنة السابعة، يحبس اللبنانيون انفاسهم فيما يترقبون صدرو القرار الاتهامي في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والاغتيالات المتلازمة لمعرفة مضمونه ولائحة الاتهام فيه. وعلى رغم ان كشف الحقيقة وتحقيق العدالة يريحان ذوي الشهداء ومحبيهم وقسم كبير من اللبنانيين، ويحميان لبنان من الاغتيالات السياسية والعمليات الارهابية المماثلة، الا انهما يثيران القلق لديهم نتيجة ما قد ينجم عنهما من تداعيات خطرة على الوحدة الوطنية والسلم الاهلي.

المصدر:
النهار

خبر عاجل