#dfp #adsense

ألف رحمة عليك يا محمد إدريس السنوسي!

حجم الخط

لم يرض العقيد معمّر القذّافي إلا أن يطبّق حرفياً، وبأقذر شكل دموي همجيّ ممكن، ذاك الوعد الذي اختطّه في مجموعته "القصصية" التي صدرت تحت عنوان "القرية القرية، الأرض الأرض، وانتحار رائد الفضاء" والتي تطوّع مرتزقة النقد الأدبيّ العربيّ لامتداحها وإدراجها ضمن سلسلة روائع الأدب العالميّ. قال فيها "الأخ القائد" ما يلي: "سوف أروي لكم قصة فراري إلى جهنّم، وأصف إليكم الطريق الذي يؤدّي إليها". إنّه اليوم يطبّق حرفياً هذا الكلام ويعلن لأوّل مرة في التاريخ الحرب الكليّة والشاملة لا على عدوّ خارجيّ، ولا على قسم من شعبه يفرز "عرقياً" أو "طبقياً"، وإنّما على الشعب الليبيّ كلّه، في ما من شأنه أن يمثّل أخطر تحدّ للتمدّن الإنسانيّ في هذا القرن.

وفي المقابل، فإنّ الشعب الليبيّ الذي خرج على هذه الكارثة العقلية الممتدة عقوداً أربعة إلى الوراء، فلا خيار لديه سوى الإطاحة الجماهيرية بصاحب "النظرية الجماهيرية" هذا، وبعائلته وزبانيته، وبذاك الكذب المسترسل من "الفاتح" المشؤوم إلى "الزحف الأخضر" الكوميديّ إلى "الكتاب الأخضر" العبقريّ إلى "النهر العظيم" الغبيّ إلى "الوحدة الأفريقية" التي ترجمت قمعاً دموياً للشعب الليبيّ من طرف مرتزقة أستقدم أكثرهم من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء.

وإنه لأمر لافت في هذا المقام أن يرفع هذا الشعب المظلوم والثائر علم المملكة الليبية المتحدة من جديد، ما يدعونا إلى تقويم "إعوجاج" يتجاوز ليبيا إلى عموم العالم العربيّ، وعمره من عمر الإنقلابات العسكرية في العالم العربيّ، التي إذا ما استثنينا التجربة الناصرية منها، ويمكن استثناؤها بالطبع، فإنّ الإنقلابات العسكرية الأخرى التي أطاحت ملكيات دستورية أو ديموقراطيات برلمانية، كانت إنقلابات كارثية ساهمت في إرجاع مجتمعاتنا عقوداً إلى الوراء.
إنّ رفع علم الملكية في ليبيا يعيد الإعتبار لذاك النظام الملكيّ الدستوريّ المعطّر بأريج الصوفية السنوسية والذي شنّع عليه القوميّون واليساريّون لوقت طويل في تاريخنا المعاصر، ولعقدين من الزمن قبل انقلاب "الفاتح" المشؤوم. كان النظام السنوسيّ تعدّدياً في وقته وكانت هناك مساحة لتداول السلطة فيه، وكان هدر الثروة الوطنية فيه متواضعاً جداً قياساً على ما عرفته ليبيا في ظلّ القذّافي، وكان النظام فطناً لأنه أرسى نوعاً من الفدرالية التي تصون الوحدة الوطنية الليبية والتي تتواءم مع البنية القبلية للمجتمع، بدلاً من أن تزعم تثوير هذه البنية في الإتجاه الإشتراكيّ حيناً، ثم ردّها على أعقابها إلى العصور الحجرية حيناً آخر، كما حدث في ظلّ "الديموقراطية المباشرة " التي تباهت بأنها حقّقت حلم كبير الفوضويين، ميخائيل باكونين، بـ"إلغاء الدولة"، وزادت عليه بإلغاء "آفة الأحزاب" كما يذكّرنا محمود درويش هازئاً في "مديح الظلّ العالي".

إنّ القذافي الذي مارس على طريقته نظرية باكونين في "إلغاء الدولة" يتحدى الإنسانية الجمعاء اليوم، مستفيداً من الصمت الغربيّ المريب، ليعلن حرب الإبادة الشاملة ضدّ الشعب البطل. وإذا كان كارل فيتفوغيل، قد طوّر على منوال ماركس، نظرية كاملة تربط بين نظم الإستبداد الشرقيّ وبين أنظمة الريّ كما في مصر وما بين النهرين، فما الذي يمكن توقّعه من طاغية معتوه يسند استبداده لا بنهر حقيقيّ، وإنّما بمشروع نهر صناعيّ عظيم غبيّ وفاشل؟!

إنّ العلم الليبيّ الملكيّ المضرّج بدماء أبناء هذا الشعب الحيّ كفيل بإعادة كتابة التاريخ لا في ليبيا وحدها، وإنّما في سائر العالم العربيّ، لأنّه يُتَفِّه تلك المقولات الخائبة من نوع أنّ الأنظمة التي جاءت بها الإنقلابات العسكرية كانت "تقدمية" قياساً على الأنظمة الملكية السابقة عليها والتي اعتاد الخطاب القومجيّ والشعبويّ على تسميتها بـ"الرجعية العربية". كم كانت الرجعية العربية تقدمية، وديموقراطية، وتعدّدية، ومنفتحة، قياساً على الأنظمة التقدمية والديموقراطية الشعبية. من هنا ينبغي الإنتباه، ومن داخل المخاض الديموقراطيّ العربيّ الراهن، لئلا نقع ثانية في مستنقع المياه الآسنة للأفكار القومجية الشعبوية، لأنّ هذا المستنقع كلّه يدان اليوم عندما يدان مهرّج الدّم معمّر القذّافي، وفي المقابل فإنّ العلم الليبيّ الملكيّ المضرّج بدماء المجاهدين الأحرار في ليبيا، إنّما يعيد الإعتبار لتلك الصفحات المشرقة للملكية الدستورية لا في ليبيا وحدها، وإنّما أيضاً في العراق ومصر، بل حتى في سلطنات الجنوب العربي.

وقد لا تكون الفكرة واقعية، وقد تكون، لكن أحد الحلول المقترحة لتأطير التطوّر الديموقراطيّ في كل هذه البلدان يمكن أن يكون عودة الملكية في ثوب متجدد. لقد شبعنا أنظمةً جمهورية ثورية وشرعية ثورية مزعومة وباطلة، مثلما شبع الشعب الليبي من "الجماهيرية العظمى" التي تمارس ضدّه اليوم الجرائم ضدّ الإنسانية وتعد بتطوير الفعِلة إلى جرائم إبادة جماعية موصوفة.

وشتّان شتّان ما بين كلام ذاك المعتوه بالأمس، معمّر القذّافي، وبين الكلمات العطرة النبيلة للملك محمد إدريس السنوسي، رحمه الله، في خطاب استقالته عام 1969، وفيه استشهاد بـ"سئمت تكاليف الحياة" لزهير أبي سلمى، وفي تحذير لبني قومه من أن يصدق عليهم حكم الآية: "ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل