قائد الثورة "الى الابد" العقيد معمّر القذافي، وزعيم المسيحيين "الى الابد" ميشال عون، ما الفارق؟
غريب هذا الشبه بين الرجلين…. أقصد القائدين، الزعيمين، الالهين….
على أنقاض أكثر من أربعة الاف قتيل من شعبه، المفروض انهم شهداء، "ظهر" المعمّر، الهادف الى التعمير الى الابد في السلطة. "ظهر" على شرفة قصره وكأنه اله من عوالم اخرى، لا هو من السماء، ولا من الارض، ولا من الكواكب السيّارة التي نعرفها ودرسناها في كتب الجغرافيا، "ظهر" تحديدا من الجحيم، لا كلمة أكثر لياقة من تلك. كيف تصف "زعيما" يصف شعبه بالجرذان وذوي اللحى المقمّلة، ورائحة موتهم تعبق في أنفه وفي أزقة طرابلس وبنغازي وغيرها وغيرها، زعيما أعلن انه ليس رئيسا ليتنحّى، بل قائد الثورة الى الابد!! أعلن الرجل اذن ثباته في الزمن الخلفي. أعلن سقوط مطالب شعبه لان الزمن والقدر شاءا أن يكون هو الى الابد حيث هو، جاثما على قدر الليبيين… ترى من أرسل له القدر ليخبره الخبر السعيد؟ أارسل له النبي محمد، أم يسوع المسيح أم ملائكتهما؟ علّه يخبرنا في "الظهور" المقبل!!
وكأن الزمن في تلك اللحظات عاد فجأة الى الخلف، الى العام 1988، الى ما كان يُسمى بقصر الشعب قال!!
كنا يافعين جدا ولا نفقه بالسياسة الا قشورها، نعرف ان الناس كانت تذهب لتحمل الاعلام وتغنّي في قصر بعبدا. لا نعرف لماذا ولا ما هو الهدف، ومن كان ذاك الرجل فعلا الذي ينهر الصحافيين ويصرخ في وجه الناس، ويتطلّع بفوقية الى المتبرعين له بالذهب والاموال، ثم يطلع عليهم ويبدأ بالصراخ والعويل: "أنا رئيس مجلس الوزراء ويللي ما بدو يعترف بهالحقيقة هيدا شعب نمل وبناديق ويللي مش عاجبو يفل من البلد".
يومذاك صُنفنا كذلك. دخلنا تلقائيا خانة الشعب البندوق! ولمن لا يعرف ما معنى الكلمة، نخبره بان الشعب البندوق، يعني ان دمه مزغول، أي مشكوك بأمره لناحية الاب، وبالتالي الاصل والفصل. وكان "البناديق" يومذاك، وغير البناديق أيضا من المناصرين، يأوون كالفئران المذعورة في الجحور، من هول القصف السوري للمناطق الشرقية….
أكثر من أربعة الاف قتيل ليبي، تفوح رائحة نضالهم في صحراء افريقيا، وفوق مساحة عرب بدأوا يطرقون أبواب الحرية بعنف، ويقف القذافي متلحّفا سطوته السخيفة، ليعلن انه سيقوم بزحف "مقدس"، مقدّس، على الشعب اذا لم يفهم عليه!!!
على الشعب أن يتفهّم مشاعر الزعيم الحساسة وليس العكس!! وكأنه الزمن الاول عندما كان الملك الها مختارا من الالهة والشعب يتعبّد له، كيف لا وهو الـ "الصخرة الصماء التي تحطمت عليها أساطيل اميركا" … أي اساطيل متى وكيف وفي أي زمان ومكان؟! لا نعرف، ليس بالضرورة أن نعرف، المعمٍر يحبّ الشعر، خصوصا الغزل منه والملحمي. خطابه كان ملحمة بحد ذاتها.
بالامس القريب طلع من قصر "الشعب" أيضا هنا في لبنان، انما ليس على الشرفة، ما كان ليجرؤ، بل من الملجأ المحصّن، صوت "جبّار" عميق، وكنا نحن نرقص بين الشظايا، "انا ميشال عون سأدقّ مسمارا في نعش حافظ الاسد"! وكانت رائحة موتانا تعبق في أرجاء بيروت، وبعد الاعلان عبقت في كل الأرجاء، وسارت قوافل النعوش في كل لبنان…
غريب هذا الشبه بين … الرجلين! الفارق. ان المعمٍر القذافي خرج الى الملأ ليعلن انه لم يهرب الى فنزويللا كما أُشيع، بينما "المعمِر" اللبناني الذي أعلن انه قبطان السفينة واخر من يتركها، ولن يرحل حتى لو رحل العالم، وعندما دقّت ساعة الخطر، كان أول الهاربين…
لم يتغيّر المشهد علينا. أحيانا يحبّ التاريخ أن يعيد نفسه، وان كان في غير مكان وزمان وغير أشخاص، فقط ليذكّرنا بهفواتنا. من يصنع الزعماء هم الشعوب وليس العكس.
الليبيون يموتون في شوارعهم، لانهم قبلوا وصدّقوا كذبة صنعوها بأنفسهم اسمها "قائد الثورة الى الابد". نحن ندفع ثمن جنرال رفع اصبعه عاليا وقال "يا شعب لبنان العظيم"، فاذ به يحوّله الى شعب زاحف مخدوع، ومع الوقت صار شعبا نادما مقهورا من نفسه وعلى وطنه، لانه ذات يوم، ذات زمن رديء، ذات ساعة تخل، صدّق ولحق وآمن باكذوبة.
تغير الزمن، ولا زمن بعد الان للمعمِرين في الكذبة…