ستوقف أيّ متابع ارتباك حزب الله و»ناطقيه» تجاه ما يحدث في المنطقة العربيّة وبسرعة مذهلة، والجماعة مصابون بـ»حَوَلٍ» في الرؤية يسبّب لهم ازدواجاً في الرؤية، فتكون الثورة مباركة في مصر أو تونس وملعونة ومجرمة ومتآمرة في إيران، والكلام في هذا الإطار لا طائل منه فما يعتقده حزب الله في «دستور» الثورة الإيرانية الخمينيّة، والبركات «الخامنئيّة» هو نفسه من حيث «تمكّن المرض» في رؤية معمر القذافي لكتاب «الثورة إلى الأبد»، الكتاب الأخضر تيمناً بكتاب «ماو تسي تونغ» الأحمر!!
بالأمس رأى رئيس المجلس التنفيذي في «حزب الله» السيد هاشم صفي الدين أنَّ «المنطقة تتفكك وتتبدل بغضّ النظر عما ستؤول إليه الأمور».. وستكون عاقبتها خير إن شاء الله ففي زمن أصبح العالم فيه قرية صغيرة لم يعد تزييف الحقائق في المرايا والعقول والصدور بسيطاً، ولن يلبث العالم أن يكتشف الوجه المحجوب والخلفي لقناع «الحزب الطاهر» و»الاستكبار» الفارسي!!
تحدّث صفي الدين، عن «إرادة الشعوب قد كسرت حواجز الخوف وتخطّت المحظور حتّى بدأت الثورات تتوالى»، طبعاً لا يستوي الحديث عن كسر حاجز الخوف في ليبيا أو تونس أو مصر حتى ـ مع ملاحظة أن الديموقراطية في مصر حازت على مواقع متقدمة جداً في الصحافة وأحزاب المعارضة ـ لا يستوي الحديث عن كسر حاجز الخوف عند الشعوب فيما يمارس حزب الله خطاباً قهرياً تخويفيا يومياً على الشعب اللبناني، ومن دون أن يتنبّه الحزب أن حاجز الخوف عند اللبنانيين انكسر يوم 14 شباط 2005، وأن هذا الأمر رآه الحزب بعينه يوم 14 آذار 2005 الذي جاء ردّاً على خطاب التخويف الشهير لأمين عام حزب الله يوم 8 آذار، ومع هذا ما زال الجماعة مصرون على ممارسة سياسة الترهيب والإرهاب والقمع على الداخل اللبناني!!
وتكمن الطرافة فيما قاله صفيّ الدّين في أنّ «ما تشهده المنطقة من انهيار ما يصطلح عليه بأنظمة الاعتدال هو أحد الارتدادات الطبيعيّة للانتصارات الباهرة للمقاومة في لبنان وغزّة»، حقيقة لا تستطيع أن تفهم أحياناً «شو خصّ هيدا بهداك»، ولكن لا عجب إن كانت حرب تموز انهمرت شآبيب رحمة في إيران بـ «بركة المقاومة»، ولا عجب أن يخطب أمين عام الحزب في أحد مساجد قم عن تعطّل عمليّة السلام في التسعينات مع اغتيال اسحق رابين ببركة «القائد الخامنئي»، يوم فزع إليه أمين عام الحزب لأنّ دوران عجلة السلام في المنطقة يشكّل الخطر الأكبر على مشروعه!!
وعلينا أن نفكّر مطوّلاً ونتساءل متى كانت ليبيا دولة إعتدال، أليست هي المموّل الأوّل لما سمّي في السبعينات «جبهة الصمود والتصدي» وما تبقّى من أشلائها تحوّل إلى اسم محور «الممانعة»، على طريقة «يتمنّعن وهن الرّاغبات»، فالتفاوض غير المباشر كان شغالاً طوال أيام حرب تموز التي أريد استثمار انتصاراتها «الوهميّة» في السياسة ، وما زالت مفاعيل هذا الاستثمار قائمة حتى اليوم وآخر تجلياتها الانقلاب الذي نفّذه حزب الله ع»النّاعم»، وبلع المنجل الذي ظنّ أنّه سيقطع به رأس لبنان ويحتزّ عنقه لأنه تفاجأ ولم يكن يحسب حساباً لكل هذه الثورات في العالم العربي وتأثير ارتداداتها على الداخل اللبناني أولاً، وانعكاساتها على ثورة الشعب الإيراني ثانياً!!
وللمفارقة كلّ الأنظمة التي سقطت اعتقدت أنها تمسك بخناق الشعب والشارع إلا أنها سرعان ما تعرّت كأنظمة من ورق أو كرتون أو كتل من الحديد والنار، والجحيم الذي فتح أبوابه معمّر القذافي على الشعب الليبي ستكون ارتداداته في بعض الدول وإيران أوّلها، فهل بعد جحيم المعتوه الذي يبيد شعب ليبيا من طغيان ، نشاهد نموذجاً حقيقياً لجرائم نيرون وهتلر وستالين وكلّ النماذج العربية المشابهة التي حكمت بالمخابرات والمعتقلات والقتل والإرهاب!!
لم يحسن «حزب الله» قراءة ما يحدث من حوله، فلا الانتصار الوهمي في لبنان مكّن الحزب من افتراس الشعب اللبناني بل زاده صلابة في مواجهته، ولا الدمار والحصار وتدمير الذات في غزّة نموذج يحتذى يقدّمه الحزب للتدليل على الانتصار، وهو حرٌّ في الضحك على نفسه وجمهوره في تحويل الهزيمة إلى انتصار أو تخفيفها إلى درجة نكسة، على الحزب أن يُحسن قراءة المعطيات من حوله حتى لا يضطرّ إلى القول مجدداً للشعب اللبناني ولجمهوره:»لو كنتُ أعلم» ولا أن يضطر إلى التراجع عن إعلان أحد أيامه السوداء «يوم مجيد» ثم يتراجع ليصفه بـ»اليوم الحزين»، إنما من يخاطب اللبنانيّون:»صخرة صمّاء» تعتقد في نفسها وقوّتها ما شاهدنا معمّر القذافي يعتقده في نفسه، ألم يقل أنه أنا التاريخ والمجد والعزّة والثورة ، أليست كلّ هذه مصطلحات تمّ اختصارها في جملة:»يا أشرف الناس»!!