كتب محمد الحسن في صحيفة "اللواء": لا يختلف اثنان على القول، ان ولادة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ليست ولادة سريعة، وعلى الارجح فإنها لن تكون قبل توفر مؤشرات عدة منها السياسي ومنها ما ينطلق من حسابات الرئيس المكلف ورغباته.
الاكيد ان ولادة الحكومة لن تكون قيصرية، ولن تكون ولادة الطوارئ ولا الغفلة، ولنعتبر انها ولادة الولد البكر وهي قد تأخذ وقت الاعداد المفترض.. وزيادة..
وبالانتظار تبدو ملامح الصورة التذكارية المفترضة غير واضحة المعالم، وبالتالي فإن ما يروّج ويعلن ويسرب من اسماء وزراء مفترضين هو اولا بأول مادة للمداولات، ومرّات للتسريب والافادة من ردات فعل الجمهور السياسي المعني بالتأليف والتوزير والاستيزار.
وبالطبع فإن التسريبات لا تصدر عن الرئيس المكلف باعتبار ان الاخير لا يعتمد هذه القاعدة، وهو من مدرسة السرية في المداولات التي تكفل حسن الاداء وصولا الى افضل النتائج، وبذلك فإن الكلام الذي يرشح وزيراً هنا او يستبعد وزيراً هناك ليس قاعدة ولا حتى استثناء.ومن هنا فإن الحديث عنه والتسليم به هو ضرب من ضروب التبصير السياسي الذي تمتهنه بعض القوى في محاولة منها لكسب اما المزيد من الوقت او لاصطياد الحظوظ.
اما الثابت في ظل كل المداولات والخطابات السياسية المباشرة وغير المباشرة، وفي ظل الرسائل التي يحرص البعض على توجيهها اما ابتغاء الضغط او ابتغاء للوجهة السياسية، الثابت هو ان الرئيس نجيب ميقاتي مستمر في مهمته الدستورية الى الاخر وحتى اعلان اسماء الوزراء ثم اصدار المرسوم الاشتراعي موقعاً من قبل رئيس الجمهورية ميشال سليمان وفقاً للاصول.
وليس من المناسب الحديث لا عن اعتذاره، ولا عن تسرعه او ذهابه نحو حكومة مزعجة لقوى الرابع عشر من آذار او مزعجة لقوى الثامن من آذار.
وعقلاني القول ان الميقاتي متمسك بالتوصل الى حكومة وحدة وطنية وحكومة شراكة، وهو اعلن ذلك ويعنيه ولم يعلن ذلك لا من باب المناورة ولا حتى من باب كسب الوقت او الافادة من الوقت الحالي المستقطع. اما ما يحصل فالمزيد من المشاورات التي تفتح الباب أمام كل الاحتمالات بما في ذلك مشاركة قوى الرابع عشر من آذار في الحكومة.
وتؤكد مصادر مطلعة وموثوقة ان ميقاتي يسعي لتوفير كل ظروف مشاركة قوى الرابع عشر من آذار دون تقديم تعهدات لأي من الفرقاء في 8 ولا في 14. كما يسعى ميقاتي في المقابل لتمثيل متوازن للقوى التي يُسمع صوتها عالياً هذه الايام دون التسبب بإحراج لنفسه ولا التسبب لهم بذلك ايضاً، وذلك بعيداً عن مسألة الامساك بالقرار داخل الحكومة من قبل اي فريق، فميقاتي يعتقد جازماً ان الحل الامثل داخل مجلس الوزراء هو بالأداء الدستوري الذي يضمن دور رئاسة الجمهورية ومن ثم رئاسة مجلس الوزراء وصولاً الى دور مجلس الوزراء مجتمعاً.
لذلك كله يبدو الاتجاه لاشتراك كل القوى مسألة جدية ولو اعترضت ذلك بعض العقبات وهي عقبات محلية لا مكان فيها للمداولات بالقضايا الاساسية خاصة التي يعتبر ميقاتي نفسه ملتزماً بها امام المجتمع الدولي وامام مصلحة لبنان، وامام مصلحة البلد اولا بأول.
ويبدو ميقاتي متريثاً، نعم، انما قادراً على احداث صدمة ايجابية امام الرأي العام السياسي – ثم الرأي العام اللبناني، وعلى الحصول على ثقة لتشكيلة متوفرة حالياً لديه. الا ان التريث نابع من قرار وقناعة بمشاركة الجميع.
ويظهر الرئيس المكلف وكأنه يترقّب ان تنحسر ردة فعل قوى الرابع عشر من آذار،ربما بعضهم، والعودة الى مسألة الحوار المباشر معه من دون "ثغرات" وهواجس. والحرص الميقاتي ينطلق من مبدأ وحدة الصف وطنياً، ثم قبل ذلك وحدة الصف السني.
وهل من دوافع للخوف على انقسام ما؟
على الرغم من حرص ميقاتي على وحدة الصف، الا ان مسألة الانقسامات، وردات الفعل تبقى واردة، لذلك على الآخرين، ربما على الرئيس سعد الحريري خاصة ان يلاقيه الى منتصف الطريق في مثل هذا الحرص.
ولماذا ذلك؟
اولاً: يمسك الرئيس نجيب ميقاتي في طرابلس والشمال بشارعه الملتزم وعبره بشارعه المتعاطف معه ومع تسميته رئيساً وهو بذلك يضمن في طرابلس والشمال بعض نتائج ما يطلبه من انضباط وعدم الانجرار وراء كلام الاتهام وصولاً الى التخوين ، الرائج مثلاً عبر الفايس بوك•
ولكن•• لا يبدو الرئيس ميقاتي قادراً على امساك آخرين حيث يتعاطف الشارع معه دون ان يمسك به كما حصل في الطريق الجديدة•
وبالتالي فإن الحرص على مسألة تلافي الخلافات والانقسامات هو المادة التي يفترض بها ان تدفع الى الحوار والاتفاق الحتمي•
ثانياً: لا يخفى على احد ان ثمة هجمة حادة على المواقع الدستورية، سواء مقام رئاسة الجمهورية او حتى رئاسة مجلس الوزراء وبهذا فإن الرئيس المكلف وبعد تشكيل الحكومة لن يكون كما هو واضح اليوم بمنأى عن الرمايات نفسها التي تسجل الآن، وبالتالي فإن الانسجام مع الرئيس ميقاتي وخاصة من قبل التيار السني العريض الذي يمثله الآن الرئيس سعد الحريري، تحت عنوان الحفاظ على مقام المؤسسات الدستورية، سيكون انسجاماً في محله وله دواعي واسباب•
ثالثاً: تشهد المنطقة بطبيعة الحال تغيّرات وانهيارات عدة لمعسكرات سياسية هي بالنسبة للبنان متغيرات مهمة على الجميع التعاطي معها بوحدة صف لبنانية وربما اكثر من ذلك.
رابعاً: لا يمكن لميقاتي ان يتراجع عما هو مقدم عليه، والاعتبارات بذلك كثيرة بدءاً من قناعته بأنه يريد التعاون مع الجميع سعيا لانتاج حالة سياسية لبنانية هادئة تسمح للجميع الافادة منها.
اذا ومع الوقت المستقطع الذي فرضته الظروف والوقائع، وقبل الانتهاء من طبخة الحكومة العتيدة، تفتح المشاورات كل ابواب الحوار، كما فتح الباب امام كل الاحتمالات في ظل حوار هادئ وايجابي، حوار يفترض به ان ينتج التزاماً من الجميع بأولويات المرحلة المقبلة اولها الاستقرار الداخلي، وليس آخرها التفاهم على اساسيات المرحلة المقبلة.