أكد وزير الأعلام في حكومة تصريف الاعمال طارق متري أن "للبنان تعقيداته المحلية الكثيرة لكنه جزء من الوطن العربي الكبير، وما يحدث في المنطقة من تغيير باتجاه مزيد من الديموقراطية وتعميم الحريات ووضع حد لأنظمة الاستبداد والتوريث يؤثر في حياتنا السياسية بلا شك، لكن إحدى مشكلات لبنان، وهي موجودة في البلاد العربية، لسوء الحظ، هي ذلك الانقسام العمودي الذي يتحكم أحيانا بحياتنا السياسية، وهو الانقسام الطائفي أو المذهبي، سمه ما شئت، وهو يؤثر في حياتنا السياسية اللبنانية كثيرا، لكن ما يؤثر في حياتنا السياسية أيضا هو أن بلدنا كان ساحة، وهناك من يريد أن يبقيه ساحة مفتوحة وأرض منازلة بين القوى السياسية والدول في المنطقة وخارجها، فيما يعمل كثر من اللبنانيين على جعل هذا البلد وطنا لمواطنيه لا مجرد ساحة".
وقال في حوار مع وكالة "آكي" الإيطالية للصحافة خلال حضوره مؤتمر "الحوار بين الديانات" الذي نظمته مؤسسة "سانت إيجيديو" الإيطالي: "هذه هي خلفية مشكلاتنا السياسية، أما بالتحديد فإن ما جرى الأسابيع الأخيرة هو في الظاهر عملية انتقال سلمي للسلطة من فريق إلى آخر، لأن الأكثرية تغيرت. لكن إذا نظرنا في العمق إلى ما جرى فان لبنان الآن يواجه خطر ان يكون نظامه السياسي بلا قواعد، وأن الأمر الواقع، والقوة المجردة هي التي تفرض مرة تلو مرة قواعد جديدة لنظامنا السياسي. في مثل واحد، هو أننا في الحكومتين السابقتين، كان يقال لنا إنه لا يمكن أن يحكم لبنان إلا بصيغة حكومة وحدة وطنية، أي بمعنى أن تشارك كل القوى السياسية بحجم تمثيلها وبنسب مقبولة في الحكم، أما الآن فإن الجهات نفسها، والتي كانت تطالب بهذه الصيغة ولا ترى سواها صيغة لحكم لبنان، تدفع رئيس الحكومة المكلف باتجاه تشكيل حكومة من لون واحد".
وشدد الوزير متري على قناعته بأنه "على الرغم من احتمال إسهام ذلك بالعودة إلى ديموقراطية بسيطة، أي حكم الأكثرية، ومعارضة الأقلية، إذا كان الأمر كذلك فلا بأس به، لكن الأمر ربما لا يتعلق بتغيير صيغة الحكم بمقدار ما يتعلق بعلاقة لبنان بالعالم، لا سيما احترام لبنان لالتزاماته الدولية ومن بين هذه الالتزامات قرار مجلس الأمن تشكيل المحكمة الخاصة بلبنان لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري".
وأكد أن "مهمة المحكمة الدولية لا تتلخص بكشف الحقائق في ملف اغتيال الرئيس الحريري بل أيضا وضع حد للجرائم السياسية، لبنان شهد على ما يزيد مئتي عملية اغتيال سياسي ولم يصل قضاؤنا، لاسباب تتعلق بانقساماتنا وإلى ضعف أجهزة الدولة، ولو لمرة واحدة، إلى معرفة القتلة ناهيك عن معاقبتهم. نحن نحتاج إلي هيئة قضائية مثل المحكمة الخاصة بلبنان من أجل وضع حد نهائي للاغتيال السياسي. ولا يمكن أن تستقيم الديموقراطية في بلد إذا كان كل رجل سياسي معرض للقتل لأي سبب، وليس فقط الرجل السياسي، بل رجل الدين والمثقف والصحافي. كثر في لبنان قتلوا بسبب مواقفهم. فمن هنا تعلقنا بالمحكمة، لا بل حاجتنا إليها وهو ما يفرض على الحكومة الجديدة أن تتخذ موقفا واضحا، لا يمكن للرئيس المكلف الحفاظ على التزامات لبنان الدولية، في حين كلنا يعلم أن الأكثرية الجديدة التي جاءت به رئيسا مكلفا هي التي أسقطت الحكومة السابقة أو القوى المؤثرة فيها وهي التي أسقطت حكومتنا بحجة محاربة المحكمة الدولية التي يتهمونها بأنها خاضعة لقوى أجنبية ولأجندات خارجية. هذه باختصار مشكلاتنا الكثيرة".
وعن مدى تأثير الانتفاضات في الدول العربية على لبنان، قال الوزير متري: "أعتقد أن اللبنانيين تعلموا من حروبهم الكثيرة. ولكن هناك قدرا من الهشاشة في العلاقات بين اللبنانيين ويخشى دائما من أن يتحول الخلاف السياسي إلى توتر طائفي أو مذهبي، ومع ذلك لا أعتقد أن هذا الخطر داهم، فاللبنانيون يجمعون على تعاطفهم مع الانتفاضات الشعبية في أرجاء الوطن العربي بأسره. بعضهم يغالي ويسقط الأوضاع اللبنانية المحلية على ما يجرى في العالم ويفسر هذه الانتفاضات بلغة لا علاقة لها بهذه الانتفاضات، مثلا ما جرى في الجوار أو حتى في إيران ليس انتصارا لمعسكر الممانعة على سواه بل انتصار للشعوب العربية. هي معركة لا عنف فيها ولا إيديولوجية، إنها انتفاضة الكرامات المهدورة ورفض الاستبداد. إنها انتفاضات الحرية وليست محكومة بالمنطق الأيديولوجي الذي ينتمي إلى مرحلة سابقة من التاريخ العربي والذي يتمسك به بعض اللبنانيين".