#dfp #adsense

عندما يكتب جميل السيد

حجم الخط

لعل أكثر ما استوقفني في مقال السيد في "السفير" تحت عنوان: "14 آذار: الثروة تصنع الثورة" في تاريخ 23 الجاري هو نشر إدارة الصحيفة مقالته في الصفحات الداخلية وليس في صدر الصفحة الأولى، كما غياب، ولو بالحد الأدنى، الأسلوب الاستفزازي والحاقد والتخويني المباشر الذي طبع طلاته ومواقفه وكتاباته. هذا في الشكل، أما في المضمون فلغة قديمة تنتمي إلى أدبيات خمسينات القرن الماضي لا تأخذ في الاعتبار سقوط جدار برلين الأوروبي ولا سقوط "جدار برلين العربي"، وكأن الزمن عند هؤلاء الناس توقف في حقبة معينة إما لعجزعهم عن مواكبة اللحظة الراهنة والاطلالة على المستقبل، أو لرفضهم حركة التاريخ من أساسها وسعيهم إلى إيقافها عند محطات يعتبرونها مشرقة بالنسبة إليهم، ولكن، ويا للأسف، إن كل ما هو مشرق لأمثال السيد هو مظلم وظالم للسواد الأعظم من الناس.

ولعل أكثر ما استفز السيد ودفعه إلى تدبيج مقالته هو ربط 14 آذار ربيع بيروت بربيع العرب، حيث تركزت مقاربته على مسألة واحدة ومحددة بنى حولها كل نظريته وهي أن الثورات "تصنعها الشعوب الفقيرة لا الزعماء والرؤساء، البطون الخاوية لا المتخمة، أبطالها مجهولون لا يعرفون مطارا ولا يملكون طائرة ولا حتى بزّات من ماركة لانفان، ولا ربطات عنق كريستيان ديور، ولا حقائب شانيل، ولا أحذية غوتشي"… وهكذا دواليك إلى أن يخلص إلى السؤال المركزي الذي اجتهد في شرحه وتبريره في محاولة لإثبات وجهة نظره وفحواه: من قال ان الثروة تصنع الثورة؟ وأين هذه الثورة (العربية) من تلك الثورة (ثورة الأرز)؟

لا شك أن ما أورده السيد جاء ليؤكد أن محاولة خطف الثورة العربية من جانب المحور الذي ينتمي إليه والإدعاء بأنها مكملة للثورة الإسلامية في طهران لم تنجح، بدليل اجتهاده لإثبات عدم صحة الربط بين المشهدين اللبناني والعربي، ومن دون أي محاولة بالمقابل للربط بين الثورات العربية الشعبية وبين المحور الممانع. أما لجهة الخلفية الكامنة وراء مقاربة السيد فيمكن التوقف عند النقاط الآتية:

أولا يتجاهل السيد عمدا المحرك الأساس للثورات العربية وهو الحرية التي تشكل العنوان المشترك مع ثورة الأرز اللبنانية، وهذا التجاهل المقصود هو محاولة للتعمية حيال الأسباب الحقيقة التي دفعت الناس في لبنان والعالم العربي إلى الثورة، وهي إسقاط أنظمة استبدادية وأمنية وقمعية وسلطوية… وهذه التعمية مردها تحوير الأنظار عن المعضلة التي تؤرق النظامين السوري والإيراني وحزب الله… ووضعها في إطار آخر وتحت عناوين أخرى تشويها للحقيقة، كالعادة، ومنح ما تبقى من أنظمة ظلامية صك براءة وبعض الأوكسيجان المصطنع.
ثانيا يعلم السيد أو يفترض به ذلك أن تفكك الاتحاد السوفياتي لم يكن نتيجة "البطون الخاوية" التي كان يحرص النظام على اتخامها وتوفيره للشعوب داخل هذا الاتحاد مستلزمات الحياة من عمل وطبابة وغيرهما، إنما تفككه حصل نتيجة حرص هذه الشعوب على حريتها وكرامتها واستقلال أوطانها وسيادتها…
ثالثا كان باستطاعة الشعب المصري، لو أن القضية قضية "خبز" لا حرية، أن يضغط على النظام القائم لإدخال إصلاحات اقتصادية وزيادة فرص العمل وتوزيع الثروة بشكل عادل، إنما الشعب المصري يدرك، كما الشعوب الأخرى، أن الإصلاح السياسي هو المدخل الأول والأخير للإصلاح الاقتصادي، لأن الأنظمة الديموقراطية القائمة على مبدأ المحاسبة والمساءلة من القوانين الانتخابية إلى الأجهزة القضائية وما بينهما القوانين والتشريعات التي تمنع استغلال موارد ثروة البلاد الطبيعية لمصلحة أفراد وحواشي هي المدخل الأساس لأي "إصلاح وتغيير".

رابعا أسقط الشعب اللبناني، كما الشعب المصري، المعادلة الظالمة التي تخير الأنظمة الأمنية بها شعوبها، أي المقايضة بين حريتها وأمنها ورغيفها، فإذا اختارت الحرية عليها تحمل تبعات هذا الخيار من أفعال أمنية وفوضى وخراب إلى نهاية هذه المعزوفة… وبالتالي دعوتها إلى التخلي عن هذه الحرية مقابل أمن مزيف ورغيف مصادر.

خامسا لا يمكن مقارنة لبنان بمصر لجهة عدد السكان والبطالة داخل المجتمع المصري، ومع ذلك لعل العنوان المركزي للثورة المصرية كان الحرية كمدخل لتوسيع قاعدة المشاركة الديموقراطية…

سادسا تحامل السيد على الشعب المصري بتصويره أنه "جوعان وحفيان" وتشبيهه بشعوب مجاهل أفريقيا تأكيدا لنظريته أو قناعته لا فرق بأن جل ما يريده هو "سد جوعه أو إشباع حاجاته البيولوجية" لا أكثر ولا أقل ومتناسيا أن هذا الشعب افتعل ثورته من خلال الـ FACEBOOK، وهو ما يؤشر إلى حداثويته وتطوره ورقيه… بخلاف ما يدعي السيد ويصور…

سابعا تناسى السيد أن ثورة الأرز في لبنان هي صنيعة الشعب اللبناني الذي أسقط النظام الأمني اللبناني-السوري المشترك الذي كان يرأس السيد جناحه اللبناني، هذا الشعب الذي انتفض من أجل أن يسترد حريته واستقلاله وسيادته وأن ينتقم بالنيابة عن قياداته ورموزه التي فتك بها هذا النظام اغتيالا واعتقالا وإبعادا تثبيتا لحكمه الجائر والظالم والمستبد… ألم يكن الدكتور سمير جعجع، في 14 آذار 2005، قابعا في معتقله الظالم جدا جدا، والرئيس سعد الحريري مصدوما جراء اغتيال والده؟؟؟

ثامنا من يتابع نظريات السيد عن الحرمان والجوع وانتقاده ربطات العنق والبزات وأكلة الكافيار والسومون يظن لوهلة أن الأخير يعيش حياة من التقشف والزهد ويجد نفسه مقصرا لعدم تنظيم حملة تبرعات من أجله…

تاسعا يجهد السيد أو الخط الذي ينتمي إليه من أجل الفصل بين الثورة اللبنانية والثورات العربية لسبب بسيط وهو فصل لبنان عن العالم العربي واستطرادا الدولي من أجل عزل لبنان واستفراده تمهيدا لوضع اليد عليه، وهذه من ثوابت السياسة السورية التي طالما عارضت تعريب لبنان وتدويله.

عاشرا يدعي السيد بأن حركة 14 آذار قد سميت «بثورة الأرز» بناء للوصف الذي أطلقه عليها المندوب الأميركي السابق في مجلس الأمن السفير جون بولتون، وهو ادعاء كاذب ليس تنصلا من بولتون والدعم الأميركي، إنما تصحيحا لواقعة غير صحيحة، إن لجهة التعريف الدولي للبنان بأنه بلد الأرز، أو لناحية إطلاق الحركة الاستقلالية توصيفي انتفاضة الاستقلال وثورة الأرز بالتزامن على حركتها، أو أخيرا لجهة تقديم قوى 14 آذار درع الأرز لبولتون نفسه.
ويبدو أخيرا أن اكثر ما استفز اللواء السيد بربط 14 آذار ربيع بيروت بربيع العرب إعادة الاعتبار لرؤية الشهيد سمير قصير، وهذا العامل وحده يكفي "لإخراج السيد من عقاله". أما وبعد، لا يبدو أن السيد استمع جيدا إلى وائل غنيم، محرك التظاهرات المصرية من وراء حاسوبه، الذي كرر قائلا أن «النظام السياسي في مصر لا يخاطبنا، بل يقول لنا اسكتوا كلوا وعيشوا"، ويضيف "أنا أملك كل ما يتمناه أي انسان ليس في مصر إنما على وجه الأرض من وظيفة وراتب وزوجة وأولاد، ومع ذلك أنا مستعد للموت من أجل التغيير والحرية في مصر".

ولعل التفسير المنطقي والوحيد لرفض السيد هذا الربط الموضوعي والحقيقي بين ثورة الأرز اللبنانية وثورة الياسمين التونسية والثورة البيضاء المصرية هو إعادة هذه الثورات تذكير السيد بمشهد سقوط نظامه في 14 آذار 2005، كما شعوره بالقلق والخوف، مع كل نظام ديكتاتوري يتهاوى، على مستقبل الانتفاضة المضادة في لبنان وعلى مستقبل أسياده الخارجيين.

الحرية، لا الثروة، هي أساس الثورة في لبنان والثورات المتنقلة في العالم العربي، هذه الحرية التي أسقطت وتسقط الأنظمة المستبدة من أجل إعلاء ثقافة الديموقراطية والتنوع والتعدد وتداول السلطة، وهذه الحرية التي اصطدمت بعد إخراج الجيش السوري من لبنان بسلاح إيراني المنشأ والتوجه، وهي مصممة على استكمال مسيرتها وصولا إلى دولة سيدة على أرضها وتحتكر وحدها السلاح. أما الفتنة أو مسبب هذه الفتنة فهو كل سلاح خارج الدولة، وكل مشروع غلبة داخلية بقوة السلاح غير الشرعي، وكل من يعتبر نفسه أكبر من وطنه، وكل من يبدي مصالح دول خارجية على مصلحة بلده وشعبه، وكل من يرفع شعار سوريا وإيران أولا على حساب لبنان والدولة أولا…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل