#dfp #adsense

زعماء لبنان… والدومينو!

حجم الخط

يُطل "زعماء لبنان" على مشهد الثورات العربية بمفاهيم شديدة البؤس وممعنة في إثبات التحجر وتسخير أي تطور لمصلحة ما يعتقدونه وضعا غير قابل للتغيير في لبنان يتيح لهم ان يحكموا سعيدا على طوائفهم وأحزابهم الى ما لا نهاية. وهو مؤشر برز بقوة مع "القراءات" الاستنسابية لمعظم هؤلاء الزعماء الذين سارعوا الى توظيف الدومينو العربي في الوجهة التي يحلو لهم ان يوظفوها لا بالفهم الموضوعي العميق الذي يوجب عليهم التحلي بالتهيب والتحسب لغدرات الزمن.

ذلك أن شتم الحكام العرب المستبدين او الدفاع عنهم بعد اسقاطهم على أيدي شعوبهم كردة فعل غالبة على زعماء لبنان ازاء هذا الحدث الذي لم يعرفه العالم العربي في تاريخه، يفضح "غربة" هؤلاء الزعماء عن أجيالهم الشابة على الاقل، وهنا مكمن الخطورة التي يتجاهلونها أو يجهلونها. معلوم ان التركيبة الطائفية في لبنان هي المملكة العصية التي ينام زعماؤه على حريرها غير هيابين من أي تغيير "ثوري" يطيحها. والحال ان الثورات العربية حركت حنينا دفينا لدى النخب العلمانية "المنقرضة" الى ملاقاة ولو مبدئية ونظرية لتغيير في النظام الطائفي. لكنه طموح أكبر من أن يتحقق او ان يصدق، لأنه لا يستوي إلا بالغاء الطائفية الغاء شاملا ناجزا في النظام السياسي كما في النظام الاجتماعي وهو أمر شبه مستحيل في لبنان.

لكن ماذا عن "إصلاح" الديموقراطية ومن أين يبدأ لو أريد للبنان أن يستلحق نفسه ببعض نعم التغيير؟
بصراحة مطلقة، يتعين على زعماء لبنان ان يواجهوا واقع مقارنة ولو بدت لهم جائرة بعض الشيء، بين واقعهم وواقع الحكام العرب. حين يستوي زعيم على حزبه او طائفته عقودا بزعامة أحادية لا تتزحزح فمعنى ذلك أن الشبه كبير بين الزعماء اللبنانيين بمعظمهم على الاقل، والحكام العرب أنفسهم. حتما لا يمكن اغفال الخصائص اللبنانية التي تكفل للزعيم تجديد الزعامة ان في الانتخابات النيابية او في النظم الحزبية التي يتبعها كل حزب او تيار او حتى في الاعراف والتقاليد الكلاسيكية. ولكن ذلك لا يطمس حقيقة ان "التفويض" الأبدي المتكرر المتواصل لعقود أدى الى احتكار الاطار التمثيلي للبنان ببضعة "زعماء عمالقة" وأقام عبادة الزعامة الشخصية معيارا خانقا قاتلا للديموقراطية داخل الطوائف والاحزاب والتيارات، وها هو لبنان اليوم محتكر بنادي الزعماء الذين يبدو الكلام عن مساءلتهم داخل أحزابهم وطوائفهم وتياراتهم من الممنوعات والمحظورات في بلد يتباهى زورا بديموقراطيته الفريدة. حتى أن كل شيئ قد استبيح، ولم يبق ستر إلا وانتهك حتى في مؤسسات لا يدخل أسوارها عادة أي بوح بمكنوناتها السرية، إلا "مؤسسة" الزعامات، فهذه "قدس الأقداس" الممنوع مجرد الكلام عنه.

وبصراحة أكبر، يختلف زعماء لبنان حتى على لون السماء، ولكنهم يتفقون ويتقاطعون في "نادي الزعامة" الأبدية بدليل أن كل الانشقاقات والانقسامات والخلافات سرعان ما تذوب حين يأتي دوريا، كل أربع سنوات، دور وضع قانون للانتخاب، فتراهم يخرجون دوما بأعجوبة الاتفاق على وضع قوانين متحركة هجينة استنسابية تجمع التناقضات لاعادة انتاج زعماء النادي أنفسهم ومنع دخول أي "طارئ" عليه. وبذلك تمعن القوانين الانتخابية في ترسيخ الواقع الطائفي و"الريعي" و"التزلمي" و"التبعي" وتسلس القياد لديمومة الزعامات. أما في "دواخل" الاحزاب والتيارات فحدث ولا حرج عن أنظمة حزبية مؤداها التجديد الدائم "للزعيم التاريخي" المحبوب على رأس الحزب والتيار، مهما تقلبت الظروف وتآلبت وتبدلت السياسات والمصالح. ولم يفتح مرة ملف عن ديموقراطية الاحزاب إلا وزلزلت الارض.
اذا كان يُراد للدومينو العربي أن "يلفحنا" بشيء، فلا بداية إلا من هنا، وإلا عبثا كل ثرثرة عن زعماء يحاكون الحكام العرب في "ممالكهم" الصغيرة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل