سليمان لا يردّ على مهاجميه بلغتهم بل بلغة الدستور
مواد لا تطبّق إلا بالاتفاق بين رئيسي الجمهورية والحكومة
يرفض الرئيس ميشال سليمان الرد على مهاجميه والمتهجمين عليه بلغتهم التي لها قاموسها الخاص عندهم في "أدب" التخاطب لكنه يرد عليهم بالفعل والعمل وبلغة الدستور وما تبقى له فيه من صلاحيات تعطيه حق التوقيع على مرسوم تشكيل الحكومة أو عدم توقيعه، وهو لا ينظر الى تشكيلها من زاوية ما له من حصة فيها بل من زاوية أن تكون الحصة الكبرى للبنان وللمصلحة الوطنية أولاً.
يقول سياسي شارك في لقاءات الطائف إن حرمان رئيس الجمهورية حقه في تعيين الوزراء واختيار رئيس للحكومة من بينهم، وكذلك حرمانه حق التصويت في مجلس الوزراء لتبقى له صفة الحكم النزيه العادل، صار تعويضه ذلك بالفقرة 4 من المادة 53 من الدستور التي تخضع تشكيل الحكومة لاتفاق بينه وبين رئيس مجلس الوزراء، وما لم يحصل هذا الاتفاق تبقى أزمة التأليف مفتوحة الى ان يتم التوصل الى هذا الاتفاق أو يعتذر الرئيس المكلف مفسحاً في المجال لتكليف سواه بعد اجراء استشارات جديدة.
وهذا الحق بالاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف مارسه رؤساء جمهورية قبل دستور الطائف وبموجب العرف وكان ذلك سبباً لخلاف بين الرئيس صائب سلام والرئيس سليمان فرنجيه رحمهما الله، عندما عرض الرئيس سلام على الرئيس فرنجيه تشكيلة وزارية لم تعجبه لأنها خلت من اسماء وزراء تهمه، فرمى التشكيلة المعروضة عليه وقال للرئيس سلام بغضب ان الدستور يعطيني حق تعيين الوزراء وتسمية رئيس من بينهم. فردَّ سلام بأن العرف الذي صار اتفاق عليه لم يعد يعطيك هذا الحق، فأجاب فرنجيه ان الدستور أقوى من العرف…
وكان هذا الحوار الساخن بداية الخلاف بين الصديقين اللدودين الرئيس فرنجيه والرئيس سلام، وصار تكليف الرئيس رشيد الصلح تشكيل حكومة حظيت بموافقة الرئيس فرنجيه… وهذا ما فعله الرئيس ميشال سليمان مع الرئيس سعد الحريري عندما عرض عليه تشكيلة وزارية من الاكثرية النيابية التي كانت تمثلها قوى 14 آذار وطلب منه تشكيل حكومة وحدة وطنية من الاكثرية ومن الاقلية الممثلة بقوى 8 آذار علّها تكون هذه المرة تجربة أنجح من التجارب السابقة التي عانى منها الرئيس فؤاد السنيورة، خصوصاً ان سوريا كانت تصر على تشكيل مثل هذه الحكومة كي تحول بواسطة الثلث المعطل الذي كان من حصة قوى 8 آذار دون اتخاذ قرارات في مواضيع مهمة بأكثرية الثلثين، ولا سيما ما يتعلق منها بالمحكمة الخاصة بلبنان، وقد أعلن الرئيس بشار الاسد نفسه في تصريح ان هذا الثلث يجعله يطمئن الى مسار المحكمة.
وتحقيقاً للمشاركة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ربط دستور الطائف تطبيق أكثر من مادة بعبارة: "الاتفاق بينهما (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة) كي لا يستأثر احدهما بتطبيقها من دون ان يلحظ الدستور آلية لحسم الخلاف عند تعذّر الاتفاق.
أما المواد التي ارتبط تطبيقها بالاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة فهي:
– المادة 33 ونصها: "ان افتتاح العقود العادية واختتامها يجريان حكماً في المواعيد المبينة في المادة الثانية والثلاثين. ولرئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة أن يدعو مجلس النواب الى عقود استثنائية: بمرسوم يحدد افتتاحها واختتامها وبرنامجها".
– المادة 52 ونصها: "يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة".
– المادة 53 (الفقرة 12) ونصها: "يدعو (رئيس الجمهورية) الوزراء استثنائياً كلما رأى ذلك ضرورياً بالاتفاق مع رئيس الحكومة".
– المادة 54 ونصها: "مقررات رئيس الجمهورية يجب أن يشترك معه في التوقيع عليها رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصون ما خلا مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة. أما مرسوم اصدار القوانين فيشترك معه في التوقيع عليه رئيس الحكومة".
– المادة 64 (الفقرة 2): "يجري (رئيس الحكومة) الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها. وعلى الحكومة ان تتقدم من مجلس النواب ببيانها الوزاري لنيل الثقة في مهلة ثلاثين يوماً من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها". هذا النص يعطي رئيس الحكومة حق اجراء استشارات نيابية لتشكيل الحكومة ولا يعطي الاحزاب والكتل النيابية حق تشكيلها أو فرض اسماء وزراء على الرئيس المكلف كما هو حاصل حالياً، بل حق اقتراح اسماء، فإما يوافق أو لا يوافق عليها او على بعضها، واذا وافق عليها، فلرئيس الجمهورية ان يوافق أيضاً والاّ امتنع عن توقيع مرسوم تشكيلها. كما ان الدستور لم يحدد مهلة للرئيس المكلف حتى اذا تعذّر الاتفاق على التشكيلة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، فلا آلية لحظها الدستور لحسم هذا الخلاف.
لذلك فإن قول العماد ميشال عون "ان الحكومة ليست معاملة لكي لا يمضي الرئيس المرسوم اذا لم يأخذ له وزراء"، هو قول في غير محله الدستوري لأن الطائف الذي حرم رئيس الجمهورية حق تعيين الوزراء وتسمية رئيس من بينهم وحرمه أيضاً حق التصويت في مجلس الوزراء عوّضه حق التوقيع على مرسوم تشكيل الحكومة أو عدم توقيعه، وان دستور الطائف ربط تطبيق عدد من مواده وهي مذكورة آننا، بالاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، كما ربط تشكيل الحكومة أيضاً بمثل هذا الاتفاق. فهل يريد العماد عون الذي يطالب بتعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية إلغاء ما تبقى منها الى أن يصير الاتفاق على ما يجب ادخاله من تعديلات على دستور الطائف، وهذا ليس بالامر السهل بوجود الصراع القائم بين الطوائف الثلاث الكبرى على تقاسم الصلاحيات.
واستغربت أوساط سياسية قول العماد عون ان الرئيس سليمان أخذ الرئاسة الاولى من دون ان يكون لديه كتلة ولا حتى نائب وينسى او تناسى ان رؤساء، قبله مثل اللواء فؤاد شهاب والياس سركيس واميل لحود انتخبوا رؤساء ولم يكن لهم كتل نيابية، بل ان غالبية الكتل توافقت على انتخابهم وليس بالضرورة أن يكون من له كتلة كبيرة تصل اليه رئاسة الجمهورية، "الحلف الثلاثي" كان يمثل الغالبية المسيحية ولم يتمكن واحد منهم من الوصول الى رئاسة الجمهورية لأن الغالبية المسيحية لا تكفي إذا لم تتأمن اكثرية الثلثين المطلوبة من طوائف أخرى.
أما القول إن الرئيس سليمان "استعمل مراكز النفوذ وهذا غير مقبول"، فلو انه فعل ذلك لما فاز المرشحون العونيون خصوصاً في منطقة جبيل في الانتخابات النيابية الاخيرة، وان رئيس الجمهورية اذا كان توافقياً فلا يعني ذلك الا يكون له رأي ولا موقف، أو أن يصبح كملكة انكلترا يملك ولا يحكم فهل يقبل العماد عون الحريص على دور الموارنة بان يصبح رئيس الجمهورية، أيا تكن صفته ومواصفاته، خيال صحراء أو شرّابة خرج؟!