كتب نقولا ناصيف في صحيفة "الأخبار":
لن تبصر حكومة لرئيس نجيب ميقاتي النور قبل 14 آذار. أكثر من سبب يحمل الرئيس المكلف وقوى 8 آذار على عدم استعجال التأليف. ويفضّلون للأقلية النيابية، في ذكرى 14 آذار، شعارَي المحكمة الدولية وسلاح حزب الله على عنوان حكومة اللون الواحد.
بمقدار التباعد الذي يحوط علاقة الرئيس المكلف نجيب ميقاتي بالرئيس ميشال عون حيال تأليف الحكومة وتوزيع الحصص فيها، يحوط الغموض علاقة ميقاتي بحزب الله الذي يتفادى، إلى الآن على الأقل، اتخاذ موقع متقدّم وعلني في جهود التأليف، منسجماً مع موقف دمشق المبتعدة والمتفرّجة. وكلاهما معني مباشر بالسلطة اللبنانية الجديدة. وما يقال عن سوريا، يتردّد عن حزب الله أيضاً من أنه لا يخفف غلواء عون في الإصرار على الحصة المسيحية كاملة في الحكومة الجديدة.
يعكس صمت الحزب موافقة ضمنية، مكمّلة لصمت سوريا، على كل ما يطالب به عون.
ويدرج المطلعون عن قرب على علاقة حزب الله بالرئيس المكلف دوافع برودتها، والملاحظات المساقة إلى أداء ميقاتي في طريقة مقاربته تأليف الحكومة، في المعطيات الآتية:
1ــ بطء الحوار الذي يجريه الرئيس المكلف مع عون على نحو لا يفضي إلى نتيجة ملموسة، من شأنها تذليل عراقيل داخلية في طريق تأليف الحكومة. مع معرفة الحزب بأن لتأخير التأليف مبرّرات إضافية تتجاوز الداخل إلى الخارج.
2ــ عدم إنجاز ميقاتي تصوّراً واضحاً للخطوط العريضة للتشكيلة الحكومية التي يرتئيها، يكون منطلقاً للبحث فيها والمساهمة في إخراجها إلى النور. لم يقل بعد هل يريد حكومة من 24 وزيراً أم من 30 وزيراً، ولم يخض مع الوزير جبران باسيل في تفاصيل ما يقول عون علناً إنه يريده. لم يسأله عن حصته، ولم يتعدَّ الحوار في أكثر من جلسة تداول أفكار.
3ــ عدم تقديم ميقاتي للغالبية الجديدة، إلى الآن على الأقل مع انقضاء شهر على التكليف، التزاماً صريحاً حيال تمثيل المعارضة السنّية في الحكومة الجديدة. ويبدو أن رغبته في حكومة من 24 وزيراً تتوخى تفادي توزير نجل الرئيس عمر كرامي، فيصل كرامي. وهو الطلب الوحيد الذي تمنّى حزب الله من الرئيس المكلف استجابته وفاءً لدور الرئيس السابق للحكومة في معركة إقصاء الرئيس سعد الحريري عن رئاسة الحكومة.
وافق ميقاتي بداية، ثم تحفّظ بدعوى أن توزيره يثقل تمثيل الشمال في الحكومة أكثر ممّا يحتمل (إلى ميقاتي يُوزّر الشمال بمحمد الصفدي وفايز غصن وسليم كرم وجبران باسيل ونقولا نحاس).
4ــ إصرار الرئيس المكلف على تمثيل قوى 14 آذار في الحكومة، رغم أنها تضمر عدم رغبتها في الانضمام إليها، وتقرن ظاهراً موافقتها بشروط مستعصية تتصل بالمحكمة الدولية وسلاح المقاومة. يتعارض موقف ميقاتي مع رفض عون تمثّل هذا الفريق، وأخصّه المسيحي فيه، في الحكومة، في وقت يأمل فيه الرئيس المكلف تجدّد رهانه على مشاركة الأقلية الجديدة بعد انقضاء ذكرى 14 آذار، وترجلها عن حصان الشارع والرؤوس الحامية في ما قد تعلنه أمام أنصارها، استكمالاً لما قيل في ذكرى 14 شباط. عندئذ يمسي استحقاق تأليف الحكومة وعودة قوى 14 آذار إلى السلطة أكثر جدّية، تتيح تراخي شروطها.
5ــ يحزم حزب الله بأنه لا تعهّد مسبقاً، خطياً أو موثقاً، بينه وبين الرئيس المكلف حيال الموقف من المحكمة الدولية، من غير أن يحجب ذلك تفاهماً ضمنياً لدى الطرفين بضرورة اتخاذ موقف من المحكمة ملائم لحجة حماية المقاومة. مذ سمّته الغالبية النيابية الجديدة رئيساً مكلفاً، اعتبر حزب الله أنه تبادل وميقاتي تفاهماً ضمنياً على موضوع المحكمة الدولية، يأخذ في الاعتبار الأسباب التي أدت إلى إسقاط حكومة الوحدة الوطنية وإقصاء الحريري عن رئاسة الحكومة، والانتقال بالأكثرية النيابية من موقع إلى آخر.
6ــ لا أزمة ثقة بين حزب الله والرئيس المكلف، ويحرص الحزب على توفير الدعم الذي يطلبه منه لإنجاح جهوده في تأليف الحكومة الجديدة. يستمد حزب الله موقف الدعم هذا من نظرته إلى ميقاتي على أنه هو الذي يؤلف الحكومة، وهو مَن يقتضي به تأليفها، وهو صاحب خيارات مقرّرة يطبقها تبعاً لصلاحياته الدستورية. لذلك لم يضع أمامه أي فيتو أو شرطاً مسبقاً، وشجّع حواره مع عون مع تسليمه بأن مطالب الأخير جدّية وحقيقية يتفهّمها الحزب، سواء في عدد الوزراء الذين يطلبهم رئيس تكتّل التغيير والإصلاح، أو الحقائب التي يصرّ عليها، أو الموقف من الحصة الوزارية المقرّرة لرئيس الجمهورية. أظهر كذلك استعداداً كاملاً لعدم التدخّل في جهود الرئيس المكلف، كما في عدم التأثير على عون لحمله على التراجع عن شروطه.
وشأن اعتقاده بأنه انتصر في المواجهة الأخيرة مع قوى 14 آذار عندما أسقط حكومة الحريري وأقصى الأخير، يتصرّف حزب الله على أن عون شريك رئيسي في هذا الانتصار، وله أن يحصل على حصة وزارية موازية لتمثيله المسيحي.
7ــ يعزو حزب الله جوانب من إصرار الرئيس المكلف على مشاركة قوى 14 آذار في الحكومة الجديدة، إلى نصائح كان قد تلقاها من سفراء دول كبرى لم تحبّذ إقصاء الأقلية الجديدة عن حكومة ميقاتي، وأبرز دعاة هذا الرأي ناظر القرار 1559 تيري رود ــ لارسن الذي تجمعه بالرئيس المكلف صداقة قديمة، وكان أبرز المشجعين لتوليه رئاسة الحكومة في نيسان 2005 لإمرار المرحلة الانتقالية حتى الانتخابات النيابية آنذاك، ودَعَمَ مهمة حكومته الأولى. أكثر من رسالة وجهها رود ــ لارسن إلى ميقاتي، مباشرة أو بالواسطة عبر معاونين وأنسباء للرئيس المكلف التقوه في باريس، قالت بضرورة انفتاحه على قوى 14 آذار والعمل على ضمّهم إلى حكومته.
النصيحة نفسها أسداها رود لارسن إلى أقطاب 14 آذار في أوقات متفاوتة، مذ كلف ميقاتي ترؤس الحكومة. وأورد حججاً قال بعضها بعدم واقعية خروجهم من السلطة في مرحلة إقليمية دقيقة وغامضة يتغيّر من خلالها توازن القوى في المنطقة وتتهاوى أنظمة، وقال البعض الآخر بضرورة الاستفادة من تمثيل رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس المكلف ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط في الحكومة على نحو يضمن لحصة الأقلية الجديدة ـــ مع الوزراء الوسطيين ـــ نصاباً مضمراً هو الثلث +1، وقال البعض الثالث إن تمثّل الأقلية الجديدة في حكومة ائتلافية يوفر حماية داخلية وطنية للمحكمة الدولية وللنفوذ الواسع الذي أرسته قوى 14 آذار في الحكم والإدارة منذ عام 2005 ويساعدها على خوض انتخابات 2013.