ما عسى يُفكر فيه ويتصوّره بعض الديكتاتوريات العربية التي ما زالت حاكمة بعد سقوط حسني مبارك وزين العابدين بن علي وصولاً إلى القذافي؟ ترى هل يستشعرون الخوف؟ أم الندم؟ أم ضرورة الانتقام والتشبت باستبدادهم، أم مراجعة تواريخهم الدموية وفسادهم وقمعهم الناس، وارتكابهم المجازر الجماعية؟ أم يُحصون ثرواتهم المليارية الموضوعة في مصارف العالم، أم يتفقدون العقارات والممتلكات التي انتزعوها من أصحابها؟ أم الويلات والمصائب التي تسببوا بها وأصابت كل فرد من أفراد شعوبهم؟ أترى يحاولون تذكر الأبرياء من المعارضين والمثقفين والجماعات الذين نحروهم أو زجوهم في أقبية السجون من دون محاكمات، أو بمحاكمات صورية، أو حتى بدون اتهام ولا محاكمة؟
ما عسى هؤلاء ينتظرون من جماهيرهم المقموعة بالنار والحديد والقتل والإذلال والمهانة واستباحة حقوقهم البديهية في اللقمة الشريفة، والحرية والديموقراطية والعدالة، عندما يشاهدون ملايين المتظاهرين يحطمون جدران الرعب والوهم والتردد على رؤوس الطغاة الذين تهاووا كجبال من الورق والنفايات في ميدان التحرير وفي ميدان شارع بورقيبة وفي بنغازي ومصراتة والمنطقة الشرقية الليبية كلها، وعندما يشاهدون كيف وجد الناس أصواتهم وأجسادهم وعقولهم وقلوبهم.. وتنفسّوا الصعداء وهم يدكون عروش هؤلاء؟
فهل سيقولون في قرارة نفوسهم كما قال حسني مبارك: مصر ليست تونس، وكما يقول القذافي ليبيا ليست مصر ولا تونس، وانا لستُ لا حسني مبارك ولا زين العابدين بن علي! وهل هذه "المناجاة" والمونولوغات على الخشبات المسرحية الأخيرة، قد تقنعهم بأنهم "حالات" استثنائية مستعصية وأن شعوبهم لا يمكن أن تقدم على ما أقدمت عليه الناس في مصر وتونس وليبيا واليمن… أترى يقنعون أنفسهم استباقاً بأنهم "الطغاة" الاستثنائيون المحصنون الذين سيصمدون في وجه الأعاصير وعدوى الحرية والديموقراطية وأعراض الغضب والانتفاضة والكرامة؟
نظن أن هؤلاء لا بدّ وأنهم في عقولهم "الباطنية" أو في لا وعيهم، أو حتى في حساباتهم الداخلية والخارجية وفي تحالفاتهم السرية والظاهرة، يستشعرون الخطر القادم، وعلى الرغم من كل شيء، ويعدون العدّة "الإلهية" والسيناريوهات والخطط بتجهيز حرسهم وأجهزتهم وميليشياتهم وفرقهم العائلية المسلحة لمواجهة لن تكون نتائجها بأفضل من النتائج التي حصدها حكام مصر وتونس وليبيا، عبر قواتهم وبلطجياتهم وجمالهم وحميرهم وخيولهم وأسلحتهم ومدافعهم ومرتزقاتهم والتي تبخرت وتحولت أنقاضاً وخِردة وغباراً أمام زحف الناس.
انها ساعة الحقيقة الكبرى تدق في فضاءات العالم العربي وإيران. ساعة التدارك العظيم الذي يجعل الشعب العربي (والإيراني) يستعيد هوياته "الإنسانية" المسحوقة، وكنوزه الثورية الموطؤوة والمدفونة، لينتزع من هؤلاء الطغاة "سلطته" التي استلبها هؤلاء بأفظع الطرق الوحشية. ونظن أن هؤلاء أياً كانت تأويلاتهم التبريرية وحُججهم وذرائعهم، لا بد من أن يعرفوا أن الشعب العربي (كالشعوب الأخرى) له من القواسم المشتركة ما يجعله واحداً في الثأر لكرامته، والانتفاض لإنسانيته والتمرد على جلاّديه. ولا أظن أن الوضع في لبنان وهو المُبادئ بهذه الانتفاضات مع ثورة الأرز على الوصايات وعلى المصادرة والقمع والاغتيالات بمختلف او بمنأى. وهذه هي الحال في كل الأقطار العربية من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق أي من المحيط إلى الخليج ومن دون استثناء: إنه الفصل "الخامس" من ربيع يُشرق بعودة النضارة والروح. إنها العاصفة الكاسرة الواحدة تهب بكل غضبها وقوتها على الشعب الواحد بمثقفيه وشبابه وفقرائه وطبقاته. إنها العاصفة وعندها لن تنفع "مظلة" القذافي، ولا بلطجية النظام المصري ولا القوى الأمنية خاصة في تونس..
نحن في لبنان، أول من أحّس بهذه العاصفة الخضراء، أول من اختار الساحة… لتكون مهداً لاستقلال ثانٍ، ولثورة على الطغيان بحيث صارت كل ثورة عربية تختار ساحتها الخاصة من ميدان التحرير في القاهرة إلى ساحة بورقيبة في تونس، إلى دوار اللؤلؤة في البحرين، إلى ساحة الحرية في صنعاء، إلى ساحة الحرية في بنغازي: إنه المكان الذي بات يُرعب الطغاة، المكان العجائبي، المكان الأسطوري، الذي يجذب الناس من وجهاتهم المختلفة، ونظن أنه يجب دراسة أهمية الأمكنة كمستوعب ودافع في العواصم التي جُرِدّتْ من مدينيتها، فما نفع عاصمة لم تعد "مدينة" بكل قوانين المدن وعلاقاتها وتعابيرها، واشعاعاتها. فمدننا العربية لم تعد تشبه ناسها. بل باتت تشبة أنظمتها ولصوصها وقتلتهما، مجرد مساحات للخوف، والرعب والقوى الأمنية وأنظمة الطوارئ، والبوليس السري.. انها الأمكنة التي وُلدت من جديد على أيدي الشبان والفتيات والكهول.. والشيوخ. صارت الرمز الجديد الذي محا "رموز" تلك "الأمكنة" الممنوعة. انه "تحرير" الأمكنة وتحويلها منصّات، وتعابير للروح الجديدة الثائرة وللأفكار الطالعة من شبابها. وتحرير الأمكنة يعني تحرير الشارع الذي كان محرماً على الناس للتعبير عن رغباتهم وهواجسهم ولأصواتهم. كانت الساحات خالية إلاّ من الذعر، وها هي امتلأت لتعلن فجراً جديداً.أو ليس هذا ما حدث في ساحة الحرية في العاصمة اللبنانية مع ثورة الأرز؛ فما أشف هذه الساحة وما أصلبها. ما أرقّها وما أحدّها. ما أصغرها وما أكبرها: صارت كل الطرق تؤدي إليها. تؤدي إلى العاصمة بيروت التي استرجعت مدينتيها، ومجتمعها المدني وتعددياتها وصمودها ومقاومتها الشعبية، أو ليس هذا ما حصل بعد ذلك في ميدان التحرير وفي ميدان بورقيبة، وبنغازي.. ونكاد نستشف الأمكنة الأخرى التي تنتظر جماهيرها المنتفضة.
ومن الطبيعي ان تصمد الأنظمة الفاشية بعملائها المحليين عندنا؛ أن "تسخر" من إقامة هذه المقارنة العضوية بين ثورة الأرز وثورات مصر وتونس وليبيا. بالطبع. فهؤلاء الطغاة (عندنا) والذين أيدوا الانتفاضات المذكورة.. قد خونوا ثورة الأرز وحاولوا تلطيخها بقذاراتهم استباقاً للكؤوس المرة التي سيتَجرعها أربابُهم الخارجيون من شعوبهم التي لن يمكن استثناؤها من تواصلها العميق والسري والباطني مع الشعوب العربية الأخرى.
بل أكثر: انهم بتهليلهم لسقوط الطغاة (وهم أبناء الطغاة الحاليون وصنائعهم وأدواتهم! سواء الأحزاب أو الأبواق الصحافية!) كأنهم يريدون أن يحولوا الأنظار عن ممارسات تلك الأنظمة بحق شعوبها لا سيما طغاة إيران الذين طالبوا القذافي قبل أيام "بتلبية مطالب شعب"! (لم يطالبوا باسقاطه!! في الوقت الذي راحوا ينسبون ثورتي مصر وتونس إلى تأثيراتهم.. ليصادروها ويشوهوها ويقلبوا حقائقها!) بل كأنهم يحاولون الفصل بين الثورة الخضراء في إيران وما جرى في لبنان وبلاد النيل وتونس: والدليل على ذلك الوسائل الوحشية المفرطة التي استخدموها لقمع التظاهرة التي دعا إليها كروبي وموسوي تأييداً لثورتي تونس ومصر، ووضعهما في الإقامة الجبرية: النظام الإيراني يضع حالياً الشعب كله في الإقامة الجبرية ويفلت عليه "بلطجيته" المحليين والمرتزقة والمستورَدين كما يفعل القذافي: انها المدرسة الفاشية ذاتها: فانتظروا أيها الحُكام أدواركم. وانتظروا شعوبكم التي ستدك عروشكم وكراسيكم وفسادكم وبربريتكم! وإذا كانت "الأمكنة" لا تموت، فإن الشعب العربي الذي ظنناه حيناً أن لا أمل فيه، ولا صحوة، ولاوقوفاً، ولا حلماً، منها هو اليوم، يستعيد عروبته التي سحقتها الأنظمة بنزعاتها "الحزبية" والعائلية والمذهبية والمناطقية وبتجويفها لهوياتها ومعانيها وطاقاتها وانتماءاتها واحتمالاتها، لتتحول مجرد شعارات وكلام مناسبات؛ إنها عودة الروح إلى عروبة غير مخشبة وغير لفظية وغير حيوية، أي عروبة حضارية، لا تتضمن إمكانيات لا حدود لها ومقاربات خصبة، وتعددية جامعة، وجماهير هي إلى ارتباطها بأفكارها خزان عميق من التنوع، والإبداع والحرية والديموقراطية والانفتاح والوعي.
ها هي عروبة مصر وتونس وليبيا تستلهم تاريخها استلهامها حاضرها ومستقبلها، لصنع ملامح حياة غير قابلة للتقنين، ولا الاختزال، ولا الأحادية. وقد فرحتُ عندما شاهدت على شاشات التلفزة شباباً مصريين وتونسيين يقولون "نحن نفتخر اليوم بكوننا عرباً"؛ ذلك لأن الأحزاب والأنظمة جعلت حتى من عبارة "عروبة" موضع سخرية (خصوصاً بعض الأبواق الإعلامية والمرتزقة) وجعلها رديفاً للذل والصمت والتخلف والركود والموت والغبار الألفي والتواطؤ مع القمع والخنوع والغربة عن الحضارة، بل والعداء لها. فلا العروبة "قضت" على أيدي من يدعي الانتساب إليها من الطغاة (وهل تلتقي العروبة مع الاستبداد لتكون حقاً عروبة. هل تلتقي فكرتها العلمانية الجامعة المفتوحة مع التوريث، ومع فكرة الجماهير، وهل أن مئات الملايين من الجماهير العربية لم تنجب واحداً صالحاً للقيادة سوى أبناء هؤلاء الذين اكتشفتُ أن معظمهم جاهل وأمي وتافه وجشع وخارج الحضارة والعلم والثقافة والتاريخ: فيا لجينة التوريث "الثورية" الفاسدة! بمعنى آخر كيف يمكن أن تتكلم أحزاب وأنظمة وقادة باسم العروبة وهم مرتبطون بإيران أو بإسرائيل مثلاً. وهل "أيرنة" لبنان مثلاً تعمق عروبته، وهل نسينا تلك اليافطات التي علقت في شوارع بيروت في الثمانينات بعناوين "العروبة بدعة صهيونية" أو "العروبة والصهيونية وجهان لعملة واحدة". هذه اليافطات علقت في بيروت، في محاولة لتغيير "هويتها" وتاريخها وتزوير انتماءات ابنائها. وهل ترى ينسجم بعض الكتاب والإعلاميين مع عروبتهم عندما يرتبطون مضموناً وسلوكاً مع نظام ولاية الفقيه. وهل سيقنعوننا بعد الآن بأنهم عروبيون؟ والغريب أن بعض هؤلاء المصابين بالفصام، لم يكف تهليلهم وارتباطهم ببعض المراجع المرتهنة للنظام الإيراني، بل حاولوا ربط العروبة ببعض الأنظمة. أي أن العروبة التي تخص مئات الملايين لا بدّ وأن تمر (لكي تكون عروبة فعلاً) بهذا النظام العربي أو ذاك. ومعنى ذلك ربط فكرة العروبة بالطغاة، وتماهيها بالدكتاتورية، وتظهيرها لأدوات القمع وانسجامها مع آلات القتل، وتحركها في فضاء السجون المكتظة وتبريرها لاذلال الناس ونهبهم.. إنها "عروبتهم" المزيفة، عروبة الحكام الذين قضوا على هذه الفكرة المفتوحة بجعلها من شهود الزور على طغيانهم وانحرافهم في خياراتهم السياسية. فالشباب الذين انتفضوا في بلاد عبد الناصر الكبير، وفي بلاد بورقيبة، وفي بلاد عمر المختار هم عرب أولاً واخيراً. وقد سرني سماع أحد الشبان المنتفضين يقول "كوّنت الأنظمة فكرة عن العروبة بأنها الخضوع والتخلف والانغلاق والاستبداد، حتى بتنا نخجل من القول إننا عرب. العالم اليوم يكتشف ان هذا الشباب هو وجه العروبة، وليس المرتزقة من أبواب الأنظمة الذي يدعون العروبة في الوقت الذي كان هؤلاء الإعلاميون والأحزاب يتخذونها وسيلة للابتزاز والارتزاق والرشوة وتكديس الثروات" (انتهى كلام الشاب المنتفض). وهنا بالذات وجدنا أن الشباب العرب عندما بادروا وقلبوا الأوضاع وقادوا الثورات، حجموا الأدوار الأصولية وأعادوها إلى مساحتها الطبيعية الضيقة، وإلى فاعليتها الشعبية الضئيلة. ولم ينفع تصدر الداعية القرضاوي منصة ميدان التحرير للإيحاء بما ليس موجوداً في الساحة. ولا محاولات بعض القوى الأصولية خارج مصر، من تحريف صورة العروبة واستلابها واستتباعها لنظام ولاية الفقيه أو وصمها بالدينية: فهؤلاء المنتفضون في مصر وتونس وليبيا ليسوا لا من حزب الله ولا من القاعدة، بل على العكس: إنهم ينتفضون أصلاً على مثل هذه التنظيمات والأنظمة الشمولية التوتاليتارية القرون وسطية والطالعة من كهوف التعصب، والانغلاق والجهل والانقلابية والقتل. إنهم شباب أبناء هذه الأيام ، ثاروا على نظام المرشد الواحد، والقائد الواحد والمستبد الواحد والحزب الواحد، فهل يكونون مع من يتبنى هذه البنى الفاشية؟ وهؤلاء الشباب في جمعهم بين العروبة وبين الحرية، انما حسموا الأمر من ناحية أن يتركوا الأمور في عهدة الأحزاب والجماعات الدينية: إنها الوجهة المدنية سلكوها، فكيف يمكن أن يلتقوا مثلاً أنظمة مذهبية تستعدي كل ما هو فكر حر، وكل ما هو "عربي" وكل ما هو متنوع، وكل ما هو إنساني؟
ولهذا لم تنجح "جعجعة" بعض الأحزاب عندنا وبعض الأنظمة عبر إعلامها الموجه والرسمي والأحادي ان تموه حقيقة انتساب شباب الانتفاضة في تونس ومصر وليبيا إلى أرضهم، وناسها وتاريخها، لتركب لهم حقائق جديدة مختلفة ومفبركة وزائفة.
ومن هنا بالذات يمكن القول إن هذه الثورات الثلاث (والتي ستعقبها ثورات أخرى بإذن الشعب تعالى) قد همشت للمرة الأولى وبغير السلاح والقمع أدوار الحركات الأصولية المتطرفة التي كانت الأنظمة البائدة ترفعها كفزاعة في خطابها المزدوج نحوالداخل ونحو الخارج: إمّا نحن أو الأصولية. أي إما نحن وإمّا الفوضى. وقد أظهرت الوقائع ان هذه "الفزاعات" كانت في قسمها الأكبر من صنع هذه الأنظمة نفسها، لتبرير فسادها، وقمعها وفرض وصاياتها التاريخية على شعوبها، سواء ببدعة التوريث أم بممارسة الدكتاتورية: فأين هذه الأصوليات اليوم من الثورات الثلاث حتى الآن (والثورات الباقية آتية: قولوا انشاء الله!) هل بدا انها تقود ميدان التحرير أو ساحة بورقيبة او المنطقة الشرقية في ليبيا؟ أين هي هذه الأصوليات التي هدووا بها، وعظموا شأنها وكبروا حجمها بالنسبة لعشرات الملايين من الشباب العربي!
وإذا كان علينا ان نركز على ملامح ما في هذه الانتفاضات العربية، فاولها: انتصار المجتمع المدني على الطائفي والمذهبي والأمني، انتصار فكرة العروبة على ما عداها م الظواهر الحزبية اليسارية أو اليمنية أو الدينية، انتصار حضور الفرد المجتمعي بوعيه ونضارته على الاستلاب التوتاليتاري أوعلى فكرة "القطيع" انتصار المدينة كمستوعب للتعدد والانفتاح والحرية والتمدين، سقوط نظام الدكتاتور والأخ الأكبر: ونظن أن هذه الثورات المباركة دّقّتْ آخر المسامير في نعوش الأنظمة الستالينية بل نكاد نقول إن مرحلة القائد المقدس، والقائد الخالد "من الأبد إلى الأبد" ومن الأزل إلى الأزل، ومن السماء إلى الأرض، قد طويت نهائياً: فالقائد هو الذي كان ينتخب الشعب بدلاً من ان ينتخبه الشعب. والقائد وحده يقرر مصير البلد حرباً وسلماً واقتصاداً، بدلاً من ان يقرره الشعب. بمعنى آخر تبدلت معادلة "جماهير السلطة" إلى معادلة "سلطة الجماهير" من ضمن دساتير حية مرنة يسطرها الشعب بأدواته السياسية والنقابية والفكرية والسياسية: ي دستور لا يكون "أمنياً" بل مدني!
وإذا عدنا إلى لبنان، فنقول إن جماعة 8 آذار المعروفة بمرجعياتها الخارجية (بإذنه تعالى) قد حاولت ضرب انجازات شباب انتفاضة 14 آذار المدنية، بالسلاح والقوة والمروق والزندقة والسفاهة والتخوين والترهيب، في مخطط انقلابي موضوع من قبل الوصايات الخارجية القريبة والبعيدة.. حتى وصل بنا الأمر إلى ما وصل.
لكن، لا يظنَّن هؤلاء البلطجية. وحَمَلَة سلاح لم يعد له أي مبرر سوى تنفيذ المنقلبات على انجازات ثورة الأرز، وعلى عروبة لبنان (والمنطقة) انهم سينجحون: فأربابهم أولاً على مرمى العواصف الثورية الآتية والجامحة، وانهم هم، على مرمى انتفاضات لبنانية قادمة انتفاضات شعبية سلمية، لن تكون شعاراتها بأقل: نريد وطناً حراً، عادلاً، ودولة قوية، وديموقراطية فاعلة، وسيادة واستقلالاً.. ومجتمعاً خالياً من كل سلاح ترهيبي أو إرهابي يهدد المصير والكيان والأرض.. لمصلحة القوى الظلامية والدكتاتورية وبكلمات نريد الدولة فوق الجميع، العدالة (المحكمة)، اللاسلاح. انها شعارات المرحلة المقبلة.. وقد تتسع كما اتسعت فضاءات الثورات العربية الشبابية وجرفت حكامها وأنظمتها التوريثية الفاشية.. وإذا كانت الانتفاضات العربية الشبابية ما زالت على زخمها، وقوتها وسريانها إلى أنظمة طغيانية أخرى تنتظر دورها، فان ثورة الأرز، وهي النموذج الريادي، ما زالت أيضاً، وبرغم كل شيء على زخمها، لأن الشعب الذي انتفض في 14 آذار 2005 ما زال "منتفضاً" وما زال على أهبته، خصوصاً بعد سقوط رهاناته على كل احتمال لقاء بين جماعة 8 آذار ودرعها المسلحة حزب الله (ومرجعياتها الخارجية) بات صعباً، بعدما أخّل هؤلاء بكل عهودهم، وتنكروا لكل القرارات والالتزامات التي وافقوا عليها، وبعدما تبين لهم أن أهداف هؤلاء تتمثل أولا وأخيراً في خدمة الوصايتين وفي تنفيذ مخططاتهما للسيطرة على البلد كلاً.
ولم يعد جائزاً تقديم أي تنازلات، أو اعتماد "الخطاب الاعتذاري البائس" الذي استخدمته 14 آذار بهدف أحداث أرضية ما للوحدة الوطنية أو للتوافق الوطني أو لعدم استخدام السلاح الميليشيوي لحزب الله لفرض وقائع على الأرض والهيمنة وضرب الدستور والكيان والديموقراطية باسم "الحفاظ على سلاح المقاومة (ولا مقاومة إلا في الأمكنة المدنية والتمرجل على العُزّل).
وعلى هذا الأساس ومن مقولة "أن المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين" (فما بالك إذا كانت جحوراً وأفاعي وسموماً).. فإن 14 آذار وضعت برنامجها النضالي، مستندة أولاً وأخيراً على جماهيرها المدنية، وليس على السلاح والحروب الأهلية، والكانتونات والفوضى كما هي الحال مع ذهنية 8 آذار ودرعها المسلحة حزب الله.. وراعيها الولي الفقيه "العادل والحكيم والشجاع" وان 14 آذار 2011، سيكون مثالاً على تسجيد الجماهير هذه الروح المدنية الحضارية في نزولها إلى ساحة الحرية في بيروت.
ونظن أن تظاهرة 14 آذار المقبلة ستكون المرحلة الثانية الأساسية في مقاومة الاتجاهات الانقلابية وأشكال الترهيب، ومحاولات إلغاء "المحكمة" وتثبيت "شرعية" السلاح غير الشرعي في كل لبنان.
فإلى الموعد في أول ميادين الثورات العربية: ساحة الحرية في بيروت المظفرة أبداً!