من أسوأ ما يمكن تصوّره في هذه المرحلة، هو تنصّل حزب الله وتكتل التغيير والاصلاح من تبعات تأخير تشكيل الحكومة، بل تعقيد العملية على أساس ربط الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي بشروط الحزب والتكتل، فيما المعروف عن ميقاتي انه يرفض في مُطلق الاحوال القبول بالشروط التي تحددت خلال محادثاته مع ممثلي حزب الله والنائب ميشال عون!
واذا كان من رد فعل، فإن الرئيس تنازل ميقاتي قال كلمته وشدد تكراراً على ان «لا تنازل مهما تغيرت المعطيات ومعها دفتر الشروط ومَن سبق له تحضيره في الداخل والخارج، حيث يُقال ان من الافضل المحافظة على نسبة مرتفعة من التحدّي طالما ان القرار في نهاية المطاف لا يعود الى حزب الله وتكتل التغيير والاصلاح، حيث يُقال من لحظة استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري ان الامور سائرة الى انفجار سياسي – امني يصعب تلافيه في المستقبل المنظور!
الملاحظ ايضاً، ان طريقة تعاطي دمشق مع طروحات الحزب وتكتل التغيير لا تشجع على حل بقدر ما توحي وكأن جل الهم السوري راهناً يكمن في عدم اغضاب حلفاء دمشق بعكس ما تقوله اوساط ديبلوماسية سعودي لجهة عدم حسم موقف الرياض من كل ما تردد في اعقاب فشل فكرة «السين-سين» بحسب ما بشّرنا به الرئيس نبيه بري (…) وما قاله عن عكس النظرة التي انطلقت منهابمعدلات جاء رفضها من قبل قوى 8 آذار وكأن الامور متفق عليها بين «الاكثرية الملتبسة» وبين مَن رست عليهم طريقة المعالجة. وهذا بدوره مختلف جذرياً عن اي مسعى اجنبي سبق طرحه ومن ثم التراجع عنه بسبب ظروف المنطقة والمتغيرات القياسية المرشحة لأن تأخذ في طريقها مجموعة انظمة وحكومات ودول (…).
قد يكون لبنان عالقاً في هذا الوقت بالذات بتعقيدات تشكيل الحكومة، لاسيما ان بعضهم، خصوصاً رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون، الذي تقول اوساطه تكراراً انه مالك زمام امره ازاء كل مَن لا علاقة له بمنع الحكومة المتوازنة من ان تبصر النور، حيث كرر القول ان «الاكثرية هي مَن يفترض ان تقول كلمتها السياسية وليست الاقليمية، ويقصد بذلك ان ما كان معمولاً به في الحكومة السابقة لن يعمل به في الحكومة العتيدة، اضافة الى ان ما كان يعول على تدخله سابقاً قد اصبح وراء عون وليس امامه، باعتراف جميع سعاة الخير الذين فقدوا بريقهم من لحظة اعلان وفاة «السين-سين»، ما زاد معدّل السلبية وليس العكس!
المهم الآن بنظر البعض معرفة رد الفعل المباشر لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان على خزعبلات ميشال عون، على رغم ما تردد من خلال اوساط مقرّبة من بعبدا، مع كل ما يعنيه كلام عون الاستفزازي في مجال توزيع الحقائب ووضع شروط مسبقة على ما يُقال عن الحصة الوزارية للرئيس سليمان. وهل بوسع رئيس تكتل التغيير وحده الوقوف بوجه رئيس الجمهورية، فيما تقول مصادر حزب الله ان قيادة الحزب تعاني الامرين من خروج «الحليف البرتقالي» على الاعراف جراء اشتراطه تحديد مَن يمثل الرئيس ومَن لا يمثله في سابقة ابتزازية مرشحة لأن تورّط الحزب وجميع قوى 8 آذار في صراع مكشوف مع بعبدا وكل مَن ينطق باسم 14 آذار؟!
والسؤال المطروح تكراراً: الى اين يمكن لعون وحلفائه وضع رؤوسهم في رأس رئيس الجمهورية، خصوصاً ان عون وحده يحتكر تحدّي الرئيس سليمان للوصول الى ابعد من استنزاف الرئاسة الاولى، اي وضع الرئيس في جو تقبّل فكرة الاستقالة عندما يشعر انه لم يعد توافقياً.
والملاحظ ان حزب الله يوازن حالياً بين معدّل مصلحته من استمرار تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة، حيث تقول اوساط الحزب ان ثمة خشية من اعتذار الاخير وعندها سيجد مرشحاً آخر من المستحيل ان يقبل بتكليف جديد قبل ان يعرف حدود وامكانات التفاهم معه مسبقاً.
ويُقال في هذا الصدد، ان الاكتفاء بعنوان عام لعمل الحكومة، اية حكومة، «لا للمحكمة الدولية» لن يلبّي الغاية طالما ان مطالب عون تتجاوز هذا العهر السياسي المتفاقم، فيما تبدو مواقف مَن يرى رأي الرابية وقوى 8 آذار ان من الافضل البقاء في دائرة خلاف عون الاساسي مع رئيس الجمهورية كي لا يُقال ان التباين دخل مرحلة التنافس الشيعي واقحام حزب الله في مشاكل من المستحيل عليه الخروج منها بمثل ما يتطلّع اليه وبمثل ما يحقق طموحه السياسي والشعبي، لاسيما ان الساحة السنية غير مؤهّلة لأن تسير وراء مخطط حزب الله السياسي والمذهبي مهما اختلفت الاعتبارات!
وقياساً على تطورات المنطقة ومعاناة معظم دولها من تحركات لتغيير الانظمة والانقلاب على حكومات ودول، ترى اوساط ديبلوماسية عربية، ان من الخطأ تصور انسياق اي طرف لبناني وراء رد الفعل الشيعي في اليمن وليبيا والبحرين خشية الانقلاب السني كأكثرية مطلقة، إلاّ إذا كان تصوّر لدى البعض بالافادة من التحرك الشيعي في دول الخليج العربي عموماً والمملكة العربية السعودية خصوصاً. وهذا ينطبق على الحال السائدة في العراق، حيث التمزق المذهبي السني – الشيعي في ذروته الانقسامية – الاستفزازية المتبادلة!
مَن يعتقد او يتصوّر ان الانقلاب في تونس وبعده في الجزائر ومصر واليمن ابن ساعته يكون مخطئاً في حال كان كلام فقط على مخطط اميركي لزعزعة الاستقرار في المنطقة كمقدمة لضرب الحركات الاصولية وتلك التي لم تتفاهم اميركا والغرب معها، وفي مقدمها الحال في ليبيا وفي العراق واليمن وبعض الامارات العربية التي يستحيل القول عنها انها مالكة زمام امورها الداخلية والاقليمية والدولية؟!