هل تنتظر عملية التشكيل صدور القرار الاتهامي ؟
حكومة وحدة وطنية تنبثق من مؤتمر للمصالحة والمسامحة
يتجاذب المهتمين والمعنيين بتشكيل الحكومة رأيان، رأي يقول بتأجيل تشكيلها الى ما بعد صدور القرار الاتهامي، وآخر يفضل تشكيلها قبل صدوره.
الداعون الى التأجيل يقولون انه بات معلوما ان قوى 14 آذار لن تشارك في اي حكومة اذا لم يتضمن بيانها الوزاري موقفا واضحا من المحكمة الخاصة بلبنان ومن وجود سلاح "حزب الله" في الداخل اللبناني وليس على الحدود مع اسرائيل. لكن تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم ممثلين عن قوى 8 و14 آذار يصبح ممكنا بعد ان يتم التوصل الى حل عقدة المحكمة وعقدة السلاح. وهذا الحل قد تأتي به العودة الى تسوية "السين – سين" التي تدعو الى عقد مؤتمر مصالحة ومسامحة في الرياض او في اي مكان آخر، تطوى فيه صفحة الماضي بكل مآسيه وفواجعه وتفتح صفحة جديدة على الوئام المرسخ للوحدة الوطنية والعيش المشترك. وعندها لا تعود المحكمة عقدة الخلاف المستحكم بين 8 و14 آذار ولا عقدة الخلاف على السلاح. اذ انه لا يمكن عقد هذا المؤتمر الا بعد الاطلاع على مضمون القرار الاتهامي وليس على ما سرب ويسرب منه. حتى ان سوريا نفسها المعنية بالموضوع قد لا تساعد على تشكيل الحكومة سواء قبل صدور هذا القرار او بعد صدوره الا عندما تكون قد دخلت في تسوية حول مضمونه، وانها قد تظل ممسكة بعقدة تشكيل الحكومة حتى وان بلغ الامر حد دخول لبنان ازمة وزارية مفتوحة على ازمة حكم اذا لم يتم التوصل الى هذه التسوية.
واذا تم التوصل الى تسوية حول المحكمة الخاصة بلبنان في ضوء مضمون القرار الاتهامي، فلا يعود سلاح "حزب الله" يشكل عقدة يستعصي حلها اذ يمكن التوصل الى تعهد ملزم بعدم استخدام هذا السلاح في الداخل لأي سبب من الاسباب، او التوصل الى تحديد الاماكن التي يجب ان يكون فيها لمواجهة عدوان اسرائيلي، او تكون الاجواء السياسية في المنطقة باتت ملائمة والفرصة سانحة للعودة الى طاولة المفاوضات مع اسرئيل ولا سيما بينها وبين سوريا ولبنان اذا ظلت عقدة الاستيطان تحول دون العودة اليها مع السلطة الفلسطينية.
وحكومة الوحدة الوطنية التي يصير في الامكان تشكيلها بعد صدور القرار الاتهامي والتوصل الى تسوية لما يتضمنه في مؤتمر مصالحة ومسامحة هي الحكومة التي تعمر طويلا وقد تبقى الى حين حلول موعد اجراء الانتخابات النيابية سنة 2013، وهي الحكومة التي تستطيع ان تهتم بأولويات الناس وحاجاتهم وان تملأ المراكز الشاغرة في مؤسسات الدولة الادارية والديبلوماسية والامنية والعسكرية حتى بالمحاصصة ولكن بتقديم اصحاب الكفايات والجدارة على اي اعتبار آخر.
اما اذا تشكلت الحكومة قبل صدور القرار الاتهامي وقوى 14 آذار لا تشارك فيها فان هذه القوى تعتبرها عندئذ حكومة اللون الواحد حتى وان كانت مطعمة بتكنوقراطيين، لان الغالبية الحزبية في حكومة كهذه، هي التي تقرر وليس التكنوقراطيين. ومثل هذه الحكومة ستواجهها قوى 14 آذار بمعارضة شرسة يكون لها اسبابها ومسبباتها وجمهورها اذ يكفي ان تكون من لون واحد حتى تثير نقمة الجمهور وغضبه خصوصا اذا مارست سياسة الانتقام والكيدية في المناقلات والتشكيلات والتعيينات، ويصير التعبير عن هذا الغضب ليس بتظاهرات واعتصامات فحسب، بل بالدعوة الى اضراب عام مفتوح بعد التحضير له تحضيرا جيدا وتجييش النفوس المحتقنة حتى اذا تجنبت الحكومة ممارسة هذه السياسة في المرحلة الاولى، فإن صدور القرار الاتهامي وما يتضمنه من اتهامات مستندة الى ادلة ومستمسكات لا يرقى اليها شك سيكون كافيا لمواجهة الحكومة اذا لم تقم بالتزاماتها حيال المحكمة وتتعاون معها والا تعرض لبنان لعقوبات اقتصادية لا يقوى على تحمل نتائجها. وسيكون مضمون هذا القرار كافيا ايضا لزعزعة الاستقرار وتحريك الشارع اذا لم يتقدم موضوع العدالة على اي موضوع آخر.
وهذا يطرح على حكومة اللون الواحد او حكومة لا تتمثل فيها قوى 14 آذار بصورة مباشرة او غير مباشرة عند مناقشة بيانها الوزاري سؤالا عن موقفها من المحكمة ومن سلاح "حزب الله"، وكيف ستتصرف حيال القرار الاتهامي اذا صدر بعد تشكيلها. افلا يكون موقفها الملتبس او الواضح خلافا لموقف قوى 14 آذار سببا لحجب الثقة عنها ربما بستين صوتا هو عدد اصوات نواب قوى 14 آذار والمتحالفين معها ويكون كافيا لاضعافها وشلّ قدرتها على العمل لا بل تكون اول حكومة في تاريخ لبنان حجبت عنها المعارضة الثقة بهذا الحجم من الاصوات.
ومن جهة اخرى، فانه يكون لحكومة اللون الواحد بيان وزاري تواجهه معارضة قوى 14 آذار ببيان آخر هو بيان دار الفتوى الصريح والواضح الذي يتناول موضوعين مهمين واساسيين هما: موضوع المحكمة وموضوع سلاح "حزب الله".
هل في استطاعة حكومة اللون الواحد ان تتوصل الى تسوية بما فيها "السين – سين" لموضوع المحكمة ولسلاح "حزب الله" ام ان هذه التسوية تحتاج بعد التوصل اليه لحكومة وحدة وطنية قادرة على التزام تنفيذها؟
الواقع ان الرئيس المكلف نجيب ميقاتي يواجه احد خيارين: اما ان يشكل حكومة قبل صدور القرار الاتهامي فتنفجر من الداخل اذا كانت حكومة وحدة وطنية في حال لم يكن موقفها واحدا منه، وان لا تسوية تتم بانعقاد مؤتمر مصالحة ومسامحة قبل صدوره، او ان يشكل حكومة اللون الواحد فيسقطها الشارع عند صدور القرار، وتعود لعبة شد الحبال بين من يريد حكومة تطير المحكمة ومن يريد محكمة تطير الحكومة…