مرة جديدة يكون للكنيسة المارونية تكريم وتقدير في الفاتيكان، ومرة جديدة تفرح الكنيسة المارونية وتبتهج مع ابنائها وكل باقي الطوائف المسيحية في لبنان وبلدان الانتشار في هذا اليوم العظيم من تاريخ المسيحيين في هذا الشرق، الاربعاء 23 شباط 2011 كان يوماً مارونياً "مجيداً" يضاف إلى سجل الايام المارونية التاريخية والعظيمة في الفاتيكان وإلى سجل الكرسي الرسولي الحافل بمحطات مارونية مضيئة ومقدسة.
ان رفع تمثال القديس مارون في باحة بازيليك القديس بطرس في الفاتيكان تتويجاً لاحتفالات الكنيسة المارونية في اليوبيل الـ1600 على وفاة مؤسسها وشفيعها القديس مارون، لهو تكريم استثنائي لرجل الله مارون وكنيسته التي عانت الكثير بسبب ايمانها ومعتقداتها وعلاقاتها بالكرسي الرسولي، ويعتبر هذا الحدث ثمرة صلاة وإيمان… فالمارونية مدرسة قداسة، قدمت ابطالاً وشهداء وما زالت ترفع قديسين على مذابح الكنيسة الكاثوليكية يتشفعون بهذا البلد الذي مر عليه ما لم يمر على بلد آخر في العالم من حروب وويلات واتقسامات وتفجيرات واغتيالات.
23 شباط كان تأكيداً على الهوية المارونية الروحية والانسانية . وهذه المناسبة العظيمة كان فيها من عمل الروح أكثر منها من عمل الانسان، تكلل علاقة دهرية بين الكنيسة المارونية وكنيسة مار بطرس وعمرها نحو 1600 سنة، هذه العلاقة التاريخية انطلقت من التلاقي حول عقيدة موحدة تحققت في مجمع خلقيدونية عام 451، وعلى أثره اسس الآباء الأنطاكيون ديراً على اسم الناسك مارون القورشي في منطقة أفاميا السورية ، وجمعوا فيه كل الرهبان النساك تلامذة مار مارون وأوكلوا اليهم الدفاع عن العقيدة الخلقيدونية الكاثوليكية…
ولاحقاً ترسخت العلاقة مع الزيارات الرسولية المتعددة وتعدد البعثات المتبادلة بين الشرق والغرب والتي على اثرها بدأت النهضة العلمية والاجتماعية وعبر لبنان إلى مرحلة العلم والمعرفة والطباعة والأبحاث من خلال المعهد الماروني الذي تأسس في روما عام 1548، عندها فتحت أمام لبنان ابواب وآفاق واسعة من الحضارة والثقافة والعلوم… إلى ان توجت هذه العلاقة التاريخية قبل سنوات بالسينودس الخاص من اجل لبنان وصدورالارشاد الرسولي على يد قداسة الحبر الاعظم الراحل البابا يوحنا بولس الثاني عندما كان لبنان في عز احتدام المحنة وحالة القلق والمعاناة… لبنان بالنسبة للفاتيكان كان وسيبقى كما ورد في الارشاد الرسولي ارضاً مقدسة وبلداً حضارياً ومجتمعاً تعددياً ودعوة خاصة ورسالة ومحبة. "هذا اللبنان" الذي كان حاضراً بتألق واشعاع يوم 23 شباط في ساحة الفاتيكان العابقة بروح القداسة والتاريخ، المبتهجة مع الكنيسة المارونية وابنائها الصامدين على مر التاريخ رغم كل المحن والصعاب… واضعين نصب اعينهم امثولة الحياة التي اعطاها اياها وللكنيسة جمعاء، اباها القديس مارون.
واذا كان الشيء بالشيء يذكر لا يسعنا في هذه المناسبة التاريخية الا ان نعطي ما "لقيصر لقيصر وما لله لله" ونقول انه من كان له اليد الطولى في إنجاح هذا الحدث الماروني واللبناني الكبير إلى جانب غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير هي "المؤسسة المارونية للانتشار" بشخص رئيسها الوزير السابق ميشال أده الرجل الوطني والمسيحي والماروني بامتياز، هذا الجندي المجهول، العامل بصمت والحامل الآمه وأوجاعه وصليبه من اجل الموارنة وبقائهم ووجودهم الحر في لبنان وعالم الاغتراب مع فريق عمل متضامن متماسك منسجم ومترفع ونشيط يعمل بجهد كبير خدمة للمجتمع والانسان والوطن، فريق حاملاً للشعار القائل "لا تعلم شمالك ما تفعله يمينك"، مجموعة من رجال الاعمال الناجحين في الداخل والخارج أمثال: نائب رئيس المؤسسة ورئيس جمعية الصناعيين نعمت جورج افرام، وبشارة كلاسي، وشارل الحاج، وحسان العميل، وجوزيف غصوب، وبيار مسعد، واميل عيسى، ورزق رزق وغيرهم وغيرهم من شخصيات مارونية رائدة في عالم الاغتراب و المال والاقتصاد تعمل دون بهرجة الاعلام وبصمت أمثال: دونالد العبد ، وفرنسوا باسيل، وبيار ضومط، وسليم ميشال اده، وجوزف فغالي وغيرهم من جنود مجهولين يعملون ايضاً في الظل ووراء الكواليس امثال: هيام زاهي البستاني، وانطونيو عنداري، ويوسف شهيد الدويهي (وعذراً اذا لم استطع ذكر جميع الاسماء).
وان ننسى لن ننسى رجل الخير والبر المرحوم انطوان شويري الذي أعطى في حياته كما في مماته دون منة أو حساب، والذي يشاهدنا من حيث هو موجود مزهواً فرحاً مسروراً لهذا الحدث الماروني الكبير والتي كانت له اليد الطولى مع عائلته المؤمنة والتي تعمل وفقاً لوصيته في دفع اكلاف التمثال كاملة لكي يقف القديس مارون أب الطائفة المارونية ومؤسسها حيث هو اليوم إلى جانب الأباء وقديسي الكنيسة في احدى حنايا بازيليك القديس بطرس في عاصمة الكثلكة روما.
من الفاتيكان حيث التكريم البابوي يرفع الموارنة إلى فوق، عدنا إلى لبنان حيث الواقع المرير يشد بالموارنة إلى "التحت" ويعيدهم إلى الاحباط والضياع. في الفاتيكان صفحات من تاريخ رائع ومشرق للموارنة، وفي لبنان دور مفقود ومجد ضائع… ثمة فارق كبير يصل إلى حد التعارض بين ما هم عليه الموارنة في الفاتيكان والعالم من نجاح ومكانة وحضارة وهالة وأبهة وتضامن وتلاق، وما هم عليه في لبنان من تشتت وتشرذم وتنابذ وتفرقة وحقد… ثمة اختلاف بين الصورة المشرقة للموارنة في الفاتيكان والعالم والتي تبعث على الفخر والاعتزاز والفرح، وصورتهم الباهتة والمقسمة والحزينة في لبنان والتي تبعث على القنوط والاشمئزاز وعلى الخوف من المستقبل وعلى المصير.
آن الأوان للموارنة ان يعودوا إلى ذواتهم وإلى جذورهم، وان يكونوا في مستوى تاريخهم ورسالتهم. آن لهم ان يستعيدوا وحدتهم ووهجهم ودورهم الريادي المميز في لبنان والمنطقة، وان يستعيدوا أولاً الثقة بأنفسهم ومستقبلهم.
هذا الوجود التاريخي العصي على الصعاب والمحن والتجارب، المتجذر في أرض القداسة، يواجه خطراً فعلياً… وهذا الدور الأصيل والمتأصل معرّض للضياع، وهذه الطائفة التي أعطت لبنان آلاف الشهداء عبر التاريخ وحتى يومنا هذا، شهداء ابرار وابطال سقوا بدمائهم الطاهرة أرض لبنان حتى قيل، مجد لبنان اعطي لهم، وهو بالفعل أعطي لهم عن جدارة واستحقاق.
الطائفة المارونية مدعوة بكنيستها وقادتها ومرجعياتها إلى إعادة صياغة دورها ورسالتها. ولعل قادة الموارنة وسياسيوهم هم المطالبون أولاً بالمراجعة الشاملة وبعملية نقد ذاتي جريئة وبناءة مع كل ما تتضمنه من اقرار بالاخطاء ومن عودة إلى قيم التسامح والتضامن وإلى روح المارونية الحقة والأصيلة التي لا مكان فيها ومعها للحقد والضغينة والتصارع على مال وسلطة ومناصب ومواقع…
على زعماء الموارنة ان يعودوا إلى واقعهم أياً يكن ومهما بلغ من انكفاء وضمور، وان يسعوا إلى تغييره وتحسينه مهما تطلب الأمر من تضحيات وجهود. المسيحيون في لبنان ليسوا في وضع جيد وهم منذ سنوات وبعد حرب مدمرة بدأت عليهم وضدهم وانتهت فيما بينهم يعانون حالة نزف مستمرة على كل الصعد . فأنتشارهم الجغرافي إلى تقلص، ومسيحيو الأطراف والأرياف أما إلى المركز الصغير المتخم أي العاصمة بيروت وأما إلى بلاد الله الواسعة… والحجم الديمغرافي والسكاني إلى انخفاض في ظل هجرة الشباب والعائلات والتحول من مجتمع فتي إلى مجتمع مسن… والمستوى العالي في الثقافة والاقتصاد والمعيشة إلى هبوط وتآكل… ولا مبالغة في القول ان الموارنة في لبنان يتغيرون من حيث يدرون أو لا يدرون نحو الأسوأ ومعهم جميع الطوائف المسيحية الاخرى الذين يرتبطون بهم ارتباطاً وثيقاً ، وان وجه لبنان يتغير مع تغير طبيعة الوجود المسيحي كماً ونوعاً ، حجماً وحضوراً ودوراً…
في خضم الأزمة التي تعصف بلبنان منذ 2005 ، والتي اشتدت في الأشهر الأخيرة الماضية، أين يقف المسيحيون وما هو دورهم؟! فإذا سلمنا جدلاً بأن ما يجري في لبنان هو صراع سني – شيعي على الحكم كما يقول المطران بشارة الراعي، وهو على حق في ما يقول عن واقع الحال… لكن أين المسيحيون من هذا الواقع، وما هي الاجابات الشافية على الاسئلة الملحة التي يطرحها الرأي العام المسيحي وفي أوساط النخبة والشارع على حد سواء:
هل موقع المسيحيين ودورهم في ان يظلوا قوى هامشية تابعة وموزعة على طرفي الصراع بين السُنة والشيعة، أم موقعهم في أن يكونوا قوة وسطية مركزية داعمة لموقع رئاسة الجمهورية الموقع الماروني الأول في البلاد، وتؤدي دور جسر التلاقي والتفاهم بين السُنة والشيعة ودور الموصل الجيد والايجابي للعلاقة؟! هل دورهم يكمن في الحياد الإيجابي وبأن يكونوا على مسافة من الطرفين وان يسعوا في الوقت نفسه إلى التقريب بينهما، أم يكمن في الحياد السلبي وبأن يقفوا على ضفة الصراع متفرجين ومكتوفي الأيدي أو مراهنين على ان يستمدوا قوة من ضعف الطرفين؟! هل على المسيحيين والموارنة خصوصاً ان يظلوا أسرى ورهائن هذا الصراع الذي اذا انفجر سيكونون من أولى ضحاياه ووقوده، والذي اذا انتهى إلى تسوية وهو لا بد من أنه واصل إلى تسوية في نهاية المطاف، تكون التسوية على حسابهم ولا يعاملون معاملة الشركاء بل معاملة التابعين والهامشيين والمنقسمين بعضهم على البعض!؟
واخيراً لا بد لنا من القول بأن ما حصل في الفاتيكان بالامس من خلال حضور رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان على رأس وفد رسمي وشعبي يحيط به وزراء ونواب الموارنة من مختلف الاتجاهات السياسية (8 و14 آذار) والتقارب الذي حصل بينهم (السياسيين) نتيجة هذا الحدث انعكس ارتياحاً لدى معظم المسيحيين في لبنان، لقد كانت الفرحة تغمر كل من شاهد على شاشات التلفزة جبران باسيل وفادي عبود ويوسف سعادة والان عون وابراهيم كنعان وانطوان زهرا وسامي الجميل ونديم الجميل (بما يمثلونه طبعاً) وغيرهم من ممثلين لبعض القوى السياسية المسيحية يقفون كتفاً إلى كتف وجنباً إلى جنب قريبين من بعضهم البعض وجالسين على طاولة واحدة يتبادلون اطراف الحديث ويتأملون بأعمال من سبقهم من كبار الموارنة بفخر واعتزاز.
ان هذا المشهد الجميل يجب ان يترجم على ارض الواقع في لبنان بين السياسيين الموارنة بغض النظر عن خلافاتهم الضيقة ومصالحهم الخاصة والشخصية، فهذه هي إرادة الشعب المسيحي عموماً والماروني خصوصاً، وهذا ما يتمنون ويتضرعون من اجله إلى القديس مارون ، وهكذا يجب ان يكون.
حذار أيها السياسيون فالتاريخ لن يرحم ، وسيظل شاهداً على اعمالكم ومواقفكم بحق وطنكم وأبناء جلدتكم فكونوا على قدر المسؤولية حتى لا تصبحون في مزبلة التاريخ (لا سمح الله).