#adsense

مقاومة مدنية.. للسلاح

حجم الخط

مشهد الـ2011 لا يقف أمام حدود الطوائف
مقاومة مدنية.. للسلاح

 
وبعد، ترجمت قوى 14 آذار ما قيل في مهرجان البيال في 14 شباط. أعلنت عزوفها عن المشاركة في حكومة يفصّلها "الحزب الحاكم" على مقاسه، ويحدد لها العناوين العريضة، بدءاً بالمحكمة الدولية وصولاً إلى السلاح، مروراً بتفاصيل أقل ما يقال فيها أنها إعلان انفصال لبنان عن محيطه القريب والبعيد، وجعله جزيرة معزولة على صورة الجماهيرية الليبية اليوم.

ومن البريستول، المكان الذي انطلقت منه الشرارة الأولى لانتفاضة الاستقلال، عادت هذه القوى لتُرسل من المكان نفسه رسالة مشابهة لما كان عام 2004 مع اختلاف في الخصم وفي الظروف المحيطة، لعلّ هذه الظروف هي أقسى بكثير مما كان عليه الأمر في تلك الحقبة، ولهذا كان لا بد من إعلان انطلاق مقاومة مدنية سلمية في "وجه السلاح"، لا مشاركة في حكومة تُكرّس وجود هذا السلاح خارج الشرعية، لا مساومة على الدستور والجمهورية. لكن، في هذا المؤتمر دلالات سياسية قد تكون بالغة الأهمية تأسيساً وتمهيداً للمرحلة المقبلة، إذ تعتزم هذه القوى اعتماد الخطاب التصاعدي من اليوم، ليصل إلى الذروة في 14 آذار، في ساحة الشهداء، بين جماهير ثورة الأرز، التي انتظرت وصبرت طويلاً كي تعود قيادتها إليها، ويعود معها أيضاً ذلك الجزء الأكبر من الاستقلاليين المستقلين، الذين انكفأوا من كثرة التسويات والتنازلات.

تقول مصادر قيادية في 14 آذار "إن ما بدأ في البريستول بالأمس، أهميته تكمن في أنّه حسم الأمور من ناحية رفض المشاركة في الحكومة، وبالتالي أصبح من المنطقي الانطلاق بعد هذا القرار إلى بلورة عناوين المرحلة المقبلة التي لم يغفلها هذا اللقاء، وأهمها ذلك المتعلق بقيام مقاومة مدنية سلمية في وجه السلاح، الذي أصبح عبئاً على اللبنانيين، لا بل مهدداً لهم في حياتهم اليومية، وقامعاً لحريتهم ومتعدياً على ديموقراطيتهم واستقرارهم".

وقبل أن تكمل بتفنيد رسائل البريستول، تُذكّر المصادر بأن "الدفاع عن الجمهورية وحماية الدستور، أحد العناوين التي رفعها "المنبر الديموقراطي" عام 2004، وكان آنذاك المؤسس للثورة التي أطلقتها دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والعودة إلى هذا العنوان اليوم، تؤكد أن المعركة مستمرة، ولكن مع اختلاف في من نواجه في هذه المعركة، فالنظام الأمني يستنسخه حزب الله اليوم، بطريقة لا تحكمها المعادلات الدولية ولا الإقليمية، ما يعني أن لا رادع أمام هذا الفريق ولا خطوط حمراً أمام استخدام السلاح لفرض ما يريده على كل اللبنانيين".

إذاً، هو المشهد نفسه بالنسبة الى الذين عاشوا تجربة العام 2004 في "المنبر الديموقراطي" وبعدها في "البريستول 1". المعركة لفرض السيادة مستمرّة، لكن السؤال الذي يُطرح اليوم: كيف لهذه القوى أن تسترجع ذلك الزخم الذي فرض نفسه في تلك الحقبة، ما جعل المواجهة تتخطى حدود الطوائف، لتكون مواجهة وطنية شاملة في وجه الوصاية والنظام الأمني؟

يقول أحد الذين عايشوا تلك الحقبة ولا يزال إلى اليوم في مسيرته النضالية: حاولت قرنة شهوان تقديم الجديد في السياسة اللبنانية، إلا أنها اصطدمت في مكان ما بحدود معيّنة، فرضتها التركيبة الطائفية للقرنة، ثم كانت 14 آذار 2005 لتكسر هذه الحدود وتمتد على مساحة الوطن وإلى خارجه، لكنها توقفت لأسباب منطقية وغير منطقية، إلا أن ما يحصل اليوم هو مرشح لتخطي كل هذه الحدود، وتحقيق ما كان مستحيلاً في الـ2004 والـ2005، والخروج من المعادلات الضيقة إلى رحاب هذا العالم العربي الذي قرّر التحرر من كل رموز الاستعباد والاستبداد.

يضيف: أكثر من ذلك، لا بد من التوقف عند بعض الإشارات التي تُشكّل منعطفاً مهماً في كيفية تفكير قوى 14 آذار، ففي العام 2005، انضم المسلمون إلى المسيحيين في معارضتهم للنظام الأمني ولسلطة الوصاية، فكانت المفاجأة التي لم يتوقعها من كان في السلطة آنذاك، وحصل الاستقلال، لكنّ الحسابات أوقفت الثورة عند حدود معيّنة، حسابات الفريق المسيحي في ما خص الرئاسة الأولى، وحسابات الطرف المسلم في ما خص الامتداد الإسلامي لهم من لبنان وإلى المحيط القريب.

يتابع: اليوم انتهت كل هذه الحسابات، فالفريق المسيحي أدرك أن الثورات لا يمكن لها أن تُكمل إن وُضعت أمامها الحواجز كما حصل في السابق، والفريق المُسلم، استدرك أن لا حدود لامتداده، أي أن الجغرافيا السياسية تحددها اليوم الشعوب وليس الأنظمة إن كانت قريبة أو بعيدة، وبالتالي فإن الأمور كلّها تغيرت كثيراً، وأصبح بالإمكان القول إن أي انتفاضة مقبلة ستكون كاملة، كي تصل إلى أهدافها.

هذا في الصورة الأعم، بالعودة إلى الصورة الأضيق التي رسمها لقاء الأحد، يبدو أن حسابات الماضي قد انتهت. تقول المصادر القيادية في 14 آذار: لقد خرج المجتمعون بتصوّر واضح لما سيكون في المرحلة المقبلة، ولخطوات مدروسة لا تكتفي باستعادة خطاب سيادي فقط، بل سيكون هناك تصور واضح لما بعد، على الصعد كافة، عبر برنامج سياسي يلحظ كل ما يحتاج إليه النظام السياسي وبشكل يتناسب مع طموحات الجمهور الاستقلالي، ومع موجة التحرر التي يشهدها العالم العربي.

انتهى اجتماع البريستول. أطل الرئيس فؤاد السنيورة ليتلو البيان الختامي، وفي هذه الإطلالة قراءة مختلفة، بغض النظر عمّا ورد في البيان وما اتُخذ من قرارات. مشهد فؤاد السنيورة في البريستول، يأتي ليقول لكل من يريد أن يقرأ أبعد من خطاب، بأن المواجهة التي خاضها رئيس كتلة "المستقبل" منذ العام 2005 حتى العام 2008، هي محل تقدير وإجماع لدى كل الفريق السيادي، وتأكيد بأن المقبل من الأيام سيكون مشابهاً لما كان عليه الوضع، حين كان رجل الدولة، يواجه باللحم الحي، مخيمات التعطيل.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل