بالأمس لم يُفاجئنا النائب وليد جنبلاط «ذو الخصوصيّة الطائفيّة حتى النخاع، بموقفه الأمنية بتنظيم تظاهرة لبنانيّة ـ في تضامن ظاهر مع حليفه اللدود الطائفيّ الآخر الرئيس نبيه بري ـ ضدّ النظام الطائفي في لبنان، لم يُفاجئنا لأن الرّجل «مسكين» راداراته لم تلتقط إشارات التغيير الجارف في العالم العربي، وهو حالياً في مرحلة «آه يا خوفي من آخر المشوار آه يا خوفي»، وقد بات مؤكّداً أن لا نظام فوق رأسه «خيمة» وهنا تكمن علة وليد جنبلاط فقد يجد نفسه قريباً في «مصفق هوا» و»أنتاناته» تدور كما «دواليب الهوا»!!
ليس هذا ما يريده اللبنانيّون الآن، فالحديث عن إلغاء الطائفيّة رغبة لبنانيّة جامعة ولكن عندما يكون اللبنانيّون سواسية أمام القانون والقضاء وكلّهم يعيشون في كنف دولة سيّدة مهابة الجانب، وكلّ كلام عن إلغاء النظام الطائفي وهناك فريق في لبنان يسدّد سلاحه إلى صدور اللبنانيين ومصائرهم ويرعبهم في كل لحظة وقادر على نسف الحياة الدستورية والحكومة وتعطيل البرلمان، كل حديث من هذا النوع هو «خبثنة» ليس إلا وهي لصالح التكريس النهائي لغلبة طائفة على كلّ الطوائف اللبنانيّة، فكيف يكون الحال إذا كانت هذه الطائفة رهينة تبعيتها للخارج الإيراني في كلّ التفاصيل .
وحديث وليد جنبلاط بالأمس عن أنّ: «السلاح يجب أن يزال من بعض المناطق في بيروت وغير بيروت»، ليس أكثر من كلمة حقّ إنما يُراد بها باطل نجده في آخر محاضرته عن التعامل مع السلاح ويتلخّص في محورة لبنان: «لا حياد في السياسة، إلا في سويسرا، إما أن يكون لبنان ضمن محور غربي إسرائيلي وإما محور عربي إسلامي»، ولا تحتاج كلمة عربي ـ إسلامي إلى تحديد المقصود بهذه «العربنة» و»الأسلمة»، فهو المحور الجديد الذي عاد جنبلاط يدور في فلكه حتى الفصل الأول من العام 2013 هذا إذا «ضاين وهدّى» فالرّيح في المنطقة عاتية وكلّ رادارات الرّجل تعطّلت وأحياناً تلتقط إشارات خاطئة!!
وبعيداً عن «اختباء» جنبلاط خلف حديث «الجذور الجنبلاطيّة» وهي تاريخياً راسخة وواضحة ولا علاقة لها بانقلابات وشقلبات وأكروبات وليد جنبلاط، ولعبة السير على الحبل الرفيع في سيرك السياسة، بالأمس كان الكلام الفصل، الواضح والمباشر هو كلام الرئيس سعد الحريري الذي خيّب أمل وليد جنبلاط عندما قال: «ان سعد الحريري متل وليد جنبلاط»، وشتّان بين الثابت على موقفه الوطني في وجه كلّ ما مورس عليه من ضغوط وبين من طرق كلّ الأبواب شاكياً بأنّه «جاء وطلب السّماح»!!
والكلمة الفصل والفيصل في كلّ هذا الوضع اللبناني الذي يجترّ نفسه بنفسه، جاء من البريستول: «بكل بساطة مش ماشي الحال» وان يكون معكم سلاح لا يعني أن معكم حقاً»، باختصار الكلام الذي قاله سعد الحريري بالأمس هو موقف كلّ اللبنانيين إلا حملة السلاح بالطبع، فقد اختصر خلاصة الأمر وقال: «قد يكون السلاح غلبة لكن السلاح ليس أكثرية، الأكثرية هي التي تفرزها صناديق الاقتراع من دون سلاح والتي تعبر عن رأيها وتعبر عن الشعب اللبناني في 14 آذار من دون سلاح لترفض وصاية النظام الأمني على دستورنا وحياتنا وهي التي قررت النزول في 14 آذار لترفض وصاية السلاح على دستورنا وحياتنا الوطنية».
المشكلة دائماً كانت في سلاح «حزب الله» وولائه الإيراني، وهذا يعني أنّ مصير اللبنانيين تمّ وضعه ـ شاء اللبنانيّون أم أبوا ـ في يد مرشد الجمهورية الإيرانيّة، وهذان أمران لن يقبل بهما اللبنانيّون مهما تبدّلت وعدّلت التسميات، هذا أولاً، أمّا ثانياً؛ وحتى لا نكون نكذب على بعضنا البعض اضطر الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن يدخل في حوار مع «حزب الله» في محاولة منه للبننة الحزب، ولبننة سلاحه أيضاً، وإذا ما كان القرار 1559 واحداً من أسباب اغتيال الرئيس الشهيد ، فهذا يعني أنّ سلاح «حزب الله» أراد تعطيل هذا القرار ووقف تنفيذه مهما كان الثمن!!
بدون شك «حزب الله» قلق من رياح العواصف والأعاصير في المنطقة والتي ستدخل إيران دوّامتها قريباً جداً، وقلق من العاصفة التي ستهب بعد كشف القرار الاتهامي وتفاصيله وأسمائه ومهماته وأدلته وبراهينه، وعليه أن يقلق من أمرين اثنين أيضاً، الأول؛ ما ذكره تقرير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى والذي أعدّه ماثيو ليفيت بعنوان «حزب الله: فصيل حاكم في لبنان وجماعة إجرامية في الخارج»، والأمر الثاني؛ هو يوم 14 آذار اللبناني عندما يعلو صوت اللبنانيين فوق قرقعة سلاح الحزب وهم يهتفون: «الشعب يريد إسقاط السّلاح»، عندها فقط سيطلع على لبنان من جديد نور الصباح وسيكون اللبنانيون جاهزون في كلّ ساح ويرددون بكل حناجرهم: «فليسقط السلاح»!!