الغريب في معادلة الوضع القائم حاليا في البلاد اننا كقوى "14 اذار" نبدو احيانا، وبدافع حرصنا وصدقنا في التعاطي مع "حزب الله" وسلاحه، اكثر ضنا من الحزب بدوره المفترض وطنيا ولبنانيا. فالحزب لا يزال مصرا على غربته عن الوطن ولا يزال مصرا على سمو سلاحه على ما عداه من اعتبارات وطنية ومتطلبات بناء وحدة وطنية داخلية متماسكة ودولة قوية "مقاومة" تحمل بهم وعنهم ومع كل اللبنانيين عبء المقاومة والدفاع عن لبنان: فهم لا يزالون في غربة عن الوطن وخيارهم هو كل شيء الا الدولة وكل شيء الا الوحدة الوطنية، لدرجة انهم تنازلوا عن الاجماع اللبناني الذي لطالما جاهروا به عام 2000 ليقبلوا بأن يتحولوا الى قراصنة خاطفين لسفينة الوطن واللبنانيين بقوة سلاحهم ومن اجل سلاحهم – ما يدفعنا الى تسجيل الاتي:
اولا: اذا كان "حزب الله" يعتبر ان ارادة نصف الشعب اللبناني في رفضه السلاح لا تعني شيئا في حساباته الداخلية، فعلى الاقل ليتوقف عن الادعاء بأن هذا السلاح هو للدفاع عن لبنان ومقاومة العدوان – لان نصف الشعب المعني بالدفاع ومقاومة الاحتلال لا يريده في هذا الشكل ووفقا لشروط "حزب الله" – وليقل بكل جرأة ان هذا السلاح ليس للدفاع عن لبنان ولا للدفاع عن اللبنانيين، بل لتنفيذ مخططات اقليمية وسياسات واستراتيجيات محاور اقليمية.
ثانيا: ان السلاح اصبح اليوم العائق الوحيد امام الوحدة الوطنية الحقيقية – فهذا السلاح غير الشرعي بات اليوم بنظرنا اخطر على لبنان من اي عدوان خارجي ضدنا – لان هذا السلاح المنفلت من اي ضوابط موجه لصدور اللبنانيين من داخلنا ومن لبنانيين ضد شركائهم في الوطن وهو قادر في اي لحظة على تحقيق ما عجز عن تحقيقه اعداء الوطن والشعب وفي طليعتهم اسرائيل على مر غزواتها واجتياحاتها ومراحل عدوانها على لبنان عبر تاريخها الدموي معنا. ولعل ابرز ما عجز الاسرائيليون عن تحقيقه على مر الزمن قتل الوحدة الوطنية بين اللبنانيين وقتل توحدهم وتضامنهم في مواجهتها، وها هو السلاح في الداخل اليوم يتحول الى طاغوت يهدد ارادة اللبنانيين ووحدتهم وانصهارهم ويعيق بناء الدولة القوية القادرة بوحدة ابنائها والتفافهم حولها واحتضانهم لمؤسساتها الدستورية والامنية.
ثالثا: ان السلاح اصبح اليوم المحاور الاساسي بين اللبنانيين: فطاولة الحوار الرئاسة فشلت في اللحظة التي بدأ فيها البحث الجدي بمصيره، واتفاقية الدوحة سقطت لعدم قابلية الحزب الى تطبيق بند عدم استخدامه في الداخل مع ما حصل في عائشة بكار وبرج ابي حيدر. وحكومة الوحدة الوطنية سقطت لان الاقلية تصرفت بمنطق سلاحها لا بمنطق صناديق الاقتراع ومبادىء الديمقراطية البرلمانية. فلم يعد بالامكان بعد اليوم استمرار التعايش المغشوش وهذا التزاوج "بالاكراه" بين الوحدة الوطنية ومشروع الدولة والسلم الاهلي من جهة ووجود السلاح غير الشرعي في الداخل – فعلى "حزب الله" ان يختار مرة اخيرة بين سلاحه وبين متطلبات بناء الدولة القوية القادرة بقدراته وقدرات كل اللبنانيين.
رابعا: على المقاومة ان تعود لبنانية جامعة لا ان تبقى محتكرة من فئة او حزب او جماعة مهما بلغت وطنيتهم ومهما ابدوا من تفانٍ وتضحيات، ولا ان تبقى متلونة بالوان فئوية تنطق باسم لبنان كله في وقت لا تعمل الا بمشيئتها هي وحدها ووفقا لاجنداتها الداخلية والخارجية وبمعزل عن ارادة اللبنانيين … كل اللبنانيين … فما من اطر او كيانات منظمة رسميا ودستوريا في الدول والبلدان الا اطر الدولة واجهزتها وقواها المسلحة ومؤسساتها الدستورية.
فهم يريدون المقاومة جنوبية فقط … ونحن نريدها وطنية بامتياز…
هم يريدون المقاومة فئوية ونحن نريدها لبنانية جامعة…
هم يريدون المقاومة رديفة للدولة ونحن نريدها بامرة الدولة ولتقوية الدولة ودورها وقرارها…
هم يريدون المقاومة برنامج حكم واسلوب حياة وفلسفة وطن… ونحن نريدها استراتيجية استثنائية دفاعية في حالات العدوان حصرا، تحافظ على الحريات والديمقراطية وسير المرافق العامة والخاصة…
هم يريدون المقاومة بالسلاح… ونحن نريدها مقاومة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية… طبقا لرسالة لبنان الفريدة في هذا الشرق …
فحزب الله امام خيار تاريخي ولحظة الحقيقة: فاما السلاح واما الوطن … بعدما اصبح سلاحه مصدر تهديد للوطن وابنائه… ولكي يبقى لنا الوطن…
