#dfp #adsense

الكنيسة المارونية أمام استحقاق بطريركيّ: هل حددت صفات رجل المرحلة قبل الأسماء؟

حجم الخط

كتبت صحيفة “الجمهورية” في عددها الصادر الثلثاء 1 آذار 2011: بعد أن قدّم البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير وبعض الأساقفة الموارنة استقالاتهم، وقبول الحبر الرّوماني استقالة غبطته، تقف الكنيسة المارونية أمام تحدّ كبير يقودها إمّا إلى عنصرة جديدة أو إلى تغيير بحت مؤسّسي شبيه بأي تغيير في مؤسّسة تقوم على حقائق بشرية. تقتضي حقيقة الموقف الكنسي أن تنهل هذه الكنسية من غاية وجودها المتنافي مع منطق المساومات الدّنيويّة الغائصة في مستنقعات التّصارع على السّلطة كما يتعامل معها ويحسنها أبناء هذا الدهر. ما صفات البطريرك الذي تحتاج إليه الكنيسة المارونيّة قبل أن تبحر في البحث عن الأسماء؟

أمام هذا الواقع لا بد من العودة إلى المعايير الثابتة التي يضبطها القانون ويؤصّل الأمور في حقيقتها في سبيل تلافي أخطار تعصف في المؤسّسات الدنيويّة القائمة على الصّراع على السلطة، لئلاّ تغدر بالكنيسة المارونيّة في هذا الاستحقاق المصيري. إنّنا نجد هذه المعايير في مجموعة قوانين الكنائس الشرقية الصادرة العام 1990 (م ق ك ش) والتي تحدّد طبيعة الخدمة البطريركية والخدمة الأسقفية وأسس اختيار المرشحين والمهمات التي عليهم القيام بها.

ثمّة قوانين تعالج موضوع انتخاب البطريرك (ق 63–77) وأخرى الأساقفة (ق 180–189). ترتكز خلفيّة هذه القوانين على مواصفات المرشَّح للأسقفيّة والجدير بها (ق 180).

فعلى الشخص الجدير بالأسقفيّة أن يتميّز، بحسب القانون 180، بصفات أساسيّة، منها: “إيمان راسخ وأخلاق حميدة وتقوى وغيرة على النفوس وحكمة” (الفقرة 1)، و”سمعة حسنة” (2) و”ألاّ يكون مرتبطا بزواج” (3)، أي أن لا يشغله انهماك آخر عن الاهتمام بكنيسة المسيح؛ “وألاّ يقلّ عمره عن خمس وثلاثين سنة” (4)، متّصفا بالاتزان والنّضج والخبرة، ورجل مسؤوليّة وقرار؛ “وأن يكون في درجة الكهنوت منذ خمس سنوات لا أقلّ” (5)، أي متمرّسا بخدمة الكنيسة في المجال الذي يشغله؛ “وأن يكون حاصلا على الدكتوراه أو الليسانس أو بأقل تقدير خبيرا في أحد العلوم الدينيّة” (6)؛ يكتسب موضوع درجة المرشّح العلميّة، لمنصب خطر كهذا، أهميّة مميّزة، لما يتطلّب ذلك من نضج وثقافة ومعرفة. فالمألوف في نظر المشترع أن يكون حاملا دكتوراه، ويتمّ التنازل حتى عن الخبرة في أحد العلوم الدينيّة، ليبقى الباب مفتوحا أمام اختيار أي كاهن كفؤ ليكون مرشّحا للأسقفيّة.

لا بدّ من التنويه إلى أنّه عند انتخاب كل أسقف، نحن أمام مشروع بطريرك. فهل يجوز أن يصبح أسقفا من لا يتمتّع بالمؤهّلات التي تسمح له باعتلاء السدّة البطريركيّة؟

تنظيم الكنيسة البطريركيّة
تتجلّى الكنيسة البطريركيّة من خلال م ق ك ش مؤسّسة بالغة التعقيد في تنظيمها وعلاقاتها. محورها هو البطريرك الذي يرأس سينودس أساقفة الكنيسة البطريركيّة صاحب السلطة العليا في هذه الكنيسة (ق 102–113)، والسينودس الدّائم (ق 115–121). هنالك أفعال يحتاج البطريرك للقيام بها إلى رضى سينودس الأساقفة (ق 57 البند 3؛ 85 البند 1–2؛ 98؛ إلخ) أو استشارته، وأخرى إلى رضى السينودس الدائم (ق 83 البند 2؛ 85 البند 3؛ إلخ) أو استشارته. فالبطريرك لا يقود الكنيسة البطريركيّة بمفرده، بل هو رجل مؤسّسي يمارس سلطته من خلال العمل المشترك مع الأساقفة، ويستعين بغيرهم ولا سيّما بأعضاء الدائرة البطريركيّة التي تعاونه مباشرة، ومقرّها في كرسيّه البطريركي. تتكوّن هذه الدائرة من “السينودس الدائم وأساقفة الدّائرة البطريركيّة، ومحكمة الكنيسة البطريركيّة المألوفة، والمدير المالي البطريركي، ورئيس قلم الدّائرة البطريركيّة، ولجنة الشؤون الطقسيّة، وسائر اللّجان الأخرى التي يلحقها الشرع بالدّائرة البطريركيّة” (ق 114 البند 1). ولكل من هؤلاء دوره المهم في مساعدة البطريرك على القيام بتنظيم الكنيسة البطريركيّة وقيادتها صوب الملكوت السّماوي. يركّز المشترع على الشفافية الماليّة في هذه الكنيسة. فالمدير المالي لا تربطه بالبطريرك قرابة بالدّم أو بالمصاهرة حتى الدرجة الرابعة ضمنا (ق 122 البند 1)، وعليه تقديم الحساب والموازنية بتواتر كتابة إلى السينودس الدّائم (ق 122 البند 3)، وإلى سينودس الأساقفة إن طلب ذلك (ق 122 البند 4).

من هو البطريرك؟ وكيف يُنتخب؟
البطريرك أسقف يترأس كنيسة بطريركيّة لها تاريخها وتقاليدها الكنسيّة والثقافيّة العريقة في القدم (ق 55 و28). فهو قائد، “أب ورأس”، يرعى الكنيسة البطريركيّة سليلة المجامع المسكونيّة الأولى والتقليد الكنسي برمّته. تحتّم عليه خطورة موقعه الخبرة والمعرفة والعلم في المعتقد وتاريخ كنيسته والكنيسة الجامعة وتقليدها وتقليد الشرق بكامله لارتباطه الوثيق ببعضه البعض. إنّه رجل الحكمة التي يستمدّها من الله لقيادة شعبه بكلّ أمانة؛ وسيّد البيت الذي يؤدّي الحساب دائما أمام ذاته للمسيح سيّد الكنيسة وراعيها. يجعله عظم هذه المسؤوليّة صاحب سلطان يخضع له جميع الأساقفة (ق 56) والمؤمنين. كـ”أب” لكل المؤمنين عليه احتضانهم والسّير بهم صوب المسيح، من دون أن يهمل أيّا من أولاده أينما كانوا ومهما كانت توجّهاتهم؛ فهو يحمل مسؤوليّة خلاصهم جميعا. إن مارس دورا غير ديني، يكون هدفه التركيز على قيمة الإنسان، والسير بمؤمني كنيسته وبالبشريّة كافّة بمثله الصالح وحكمته إلى المسيح.

شغور الكرسي البطريركي
يشغر الكرسي البطريركي بوفاة البطريرك أو بتخلّيه عن المنصب (ق 126 البند 1). من يقبل هذا التخلّي هو سينودس أساقفة الكنيسة البطريركيّة، بعد استشارة الحبر الروماني، “ما لم يقصد البطريرك الحبر الروماني بطريقة مباشرة” (ق 126 البند 2). فالطريقة الأولى تبدو هي القاعدة، والثانية الاستثناء.

يجب انعقاد سينودس أساقفة الكنيسة البطريركيّة بعد الشغور بشهر (ق 65 البند 2) لانتخاب البطريرك الجديد. أما الشرع الخاص الماروني فينصّ على أن مجمع أساقفة الكنيسة البطريركيّة يلتئم “في اليوم العاشر من شغور الكرسي. وإذا تعذّر ذلك يجب أن ينعقد في غضون شهر” (المادّة 2). عند قانونيّة السّينودس يمكن الشروع في الانتخاب (ق 69). يرأس سينودس أساقفة الكنيسة البطريركيّة لانتخاب البطريرك مَن من الحاضرين يُنتخَب في الجلسة الأولى، ما لم يقرّر الشرع الخاص غير ذلك (ق 70). ولكنّ الشرع الماروني يعطي رئاسة السينودس لمن “كان أقدم المطارنة عهدا في الرسامة الأسقفيّة باستثناء المطارنة المستقيلين” (المادّة 3).

إنتخاب البطريرك
كي يتمّ انتخاب البطريرك الجديد في سينودس الأساقفة (ق 63)، يعود للشرع الخاص إضافة الصّفات التي على المرشّح لمنصب البطريرك التحلّي بها، بالإضافة إلى ما ورد في القانون 180 عن الأسقف (ق 64). يتمّ انتخاب البطريرك حين يحصل المرشّح على أصوات ثلثي أعضاء سينودس الأساقفة القانوني الحاضرين (ق 72 البند 1). وكي يكون السينودس قانونيّا يجب، بعد حذف عدد المتغيبين بعذر والمتخلّين عن المنصب (را ق 104 البند 1)، حضور ثلثي من تبقّى. والسينودس نفسه يحدّد شرعيّة التغيّب بعذر (ق 68 البند 2). إن لم يحصل أحد على ثلثي أصوات الحاضرين في غضون خمسة عشر يوماً تصويت، يُحال الأمر إلى الحبر الروماني (ق 72 البند 2).

إن لم يكن المُنتخَب أسقفا، تُحفَظ السريّة المطلقة بما في ذلك عنه، حتى تتمّ إجراءات رسامته الأسقفيّة (ق 185 البند 2)، بعد تبليغه سرّا وقبوله في يومين. إن لم يُجب في اليومين يفقدْ كل حق اكتسبه من الانتخاب (ق 74). أمّا إن كان أسقفا فيعلنه سينودس الأساقفة وينصّبه بطريركا بحسب مراسيم الكتب الطقسيّة (ق 75). بعد التنصيب يُعلِم السينودسُ في أقرب وقت الحبرَ الروماني بالانتخاب والتنصيب، ويرسَل كتاب “سينوداليّ” إلى بطاركة الكنائس الشرقيّة الأخرى (ق 76 البند 1). وعلى البطريرك الجديد أن يلتمس من الحبر الروماني في أقرب وقت “الشركة الكنسيّة” بكتاب يوقّعه (ق 76 البند 2). قبل تنصيبه لا يستطيع أن يمارس مهمّة منصبه على وجه صحيح (ق 77 البند 1). وقبل أن يتلقّى “الشركة الكنسيّة” (أي الجواب من قبل الحبر الروماني بإعلان هذه الشركة مع المنتخَب الجديد)، لا يحق له أن يدعو سينودس الأساقفة إلى الانعقاد ولا أن يرسم أساقفة (ق 77 البند 2).

ثمة صفات عدة تتجلّى من خلال القوانين الكنسيّة، على البطريرك أن يتحلّى بها، كالقيادة والحكمة والخبرة والنظرة الكنسيّة الشاملة والبعد الرؤيوي المستقبلي والفعاليّة واتّخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب بمشاركة ومسؤوليّة. وعليه أن يكون أوسع من التّفاصيل وأدقّ من العموميّات. وأن يكون رجل موقف مستنيراً بالحقيقة بعيد الأفق، همّه إرضاء الله والعمل على خلاص الإنسان.

في عالم اليوم، عالم المعلوماتيّة والكمبيوتر والإنترنت (…)، وأمام مؤسّسة بحجم الكنيسة، وشموليّة أبعاد رسالتها وتنوّعها، لا يقدر البطريرك إلاّ أن يكون رجلا مؤسّسيّا وتنظيميّا من الدرجة الأولى، واضح الرؤيا، يحدّد الأولويّات بوضوح للعمل على تحقيقها بدءا بالأهم.

لذلك، إنّ البطريرك رجل الحبّ حتّى الإبداع والتنسيق والتنظيم حتى البناء، والغيرة حتى القوّة وابتكار المؤسّسات، والتجرّد حتى الجرأة الحكيمة، والصلاة حتى العمل الفعّال. لأنّه رجل الله هو رجل الإنسان. يستقطب عمله المؤسّسي كل الطاقات والقوى والفاعليّات. هو رجل القلب المفتوح، والعقل الراجح، واليد الممدودة، والحقيقة والإصغاء، والمحبّة والتّواضع، والمسؤوليّة والخدمة.

ماذا ينقص الكنيسة البطريركيّة لتكون فاتيكانا محلّيّا في دوائرها التي تشمل كلّ الكنيسة حتّى آفاق الاغتراب؟ كيف يتمّ ضبط الكنيسة في الرقعة البطريركيّة وخارجها بروح رؤيويّة؟ هل تمّ تحديد صفات رجل المرحلة قبل البحث عن الأسماء؟ هل تمّ تحديد صفات رجل المرحلة، أكان في لبنان أم في الشرق أم في العالم؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل