ما الأفضل للمعارضة السيادية المتجددة، أن تقرر قياداتها وأحزابها عن شعبها وهو ينفذ الأوامر والتوجيهات التي يتلقاها من فوق؟ أم ترك المجال لشعب "انتفاضة 2005" بقواه الحية من شخصيات مستقلة وأصحاب كفاءات وناشطين في المجتمع كي يقرر ما يراه مناسباً عند المحطات الرئيسية بالمشاركة والتفاعل مع الأحزاب والقيادات الرئيسية؟
السؤال طرح منذ مدة طويلة على طاولات المناقشة وفي الندوات المتعددة التي نظمتها "قوى 14 آذار" ممثلة بأمانتها العامة، وتشكلت لهذه الغاية أخيراً لجنة ضمت مسؤولين عالي المستوى في الأحزاب الرئيسية انتهت إلى موافقة جماعية على صيغة وضعتها الأمانة العامة، ,تسلّم جزءاً كبيراً من القرار إلى نخب منبثقة من القواعد الشعبية لم تكن، بسبب لاحزبيتها أو لاطائفيتها، تجد لها هامشاً يتيح لها المساهمة في وضع سياسات "ثورة الأرز" بعدما اعتنقت توجهاتها ومبادئها أو شاركت في صنعها.
بعض هذه النخب كان انكفأ عن السياسة، وبعضها اكتفى مدى السنوات منذ 2005 بإبداء الرأي غير الفاعل طبعاً والذي لا يؤخذ به، هذا إذا توافر له مجال في إحدى وسائل الإعلام أو الندوات والمنابر السياسية. لكنهم جميعاً تقريباً، منكفئين ومبادرين، كانوا يلبون النداءات للمساعدة والدعم بما في وسعهم عند المحطات السياسية، كالإنتخابات النيابية والبلدية والنقابية، أو في المناسبات التي كانت تحييها "14 آذار"، وإن لازمهم شعور عميق بالتهميش وعدم أخذ رأيهم في الإعتبار، وبأن الأحزاب والساسة تمكنوا على غفلة من "مصادرة" الحركة الشعبية التي كانت هائلة المدّ في انطلاقتها العفوية، ثم احتكروها وحوّلوها مكاسب ومواقع ولعبة سلطة غرقوا فيها تباعاً قبل أن توقظهم ثورات شعوب الدول العربية على واقع أليم ومختلف تماماً عما ألفوا خلال عقود وعقود. فقد تصدى "شباب" فرادى متفرقين لقيادة التحرك السياسي وتمكنوا من تنظيم أنفسهم عبر وسائل الإتصال الإلكترونية، ولا سيما عبر موقعي "فايسبوك" و"تويتر" وأطلقوا ثورة تلو ثورة أسقطت أنظمة عاتية ما كان يخطر ببال أنها من كرتون. ويا لهول العبرة التي صدمت أحزاباً يقودها أنصاف آلهة سواء في العالم أو في لبنان: التغيير في تونس ومصر وبقية الأنظمة العربية المترنحة يصنعه جيل وائل غنيم وليس حزب "الوفد" العريق ولا حزب "العمل"، ولا حتى "الأخوان المسلمون" الأنشط والذين يحاولون اللحاق بالأحداث واستيعابها.
استيعاب العِبر اختبار نجحت فيه قوى 14 آذار، أقله حتى الآن، فأثبتت وعياً مخالفاً للتوقعات السابقة، مفاجئاً كما كان مفاجئاً إقدام الرئيس سعد الحريري على القفز إلى الأمام والخروج من خسارة رئاسة الحكومة، ليربح كثيراً وإلى حد كبير وخلال أيام قليلة قياساً على وضعه السابق سياسياً وشعبياً.
وإن كان ثمة رأي آخر في الهيكلية التنظيمية الجديدة – عبّر عنه أصحابه- يطالب بتشكيل قيادة سياسية مصغرة من الأحزاب الرئيسية تصدر عنها القرارات والتوجيهات وشعب "ثورة الأرز" ينفذ، فإن ذلك الرأي لا يعترض المسار العام الذي أصبح متفقاً عليه بالإجماع، ويحظى بتواقيع القيادات كافة بمن فيها تلك التي أبدت ملاحظاتها أو تحفظاتها لاحقاً. وستنطلق قريباً تجربة رائدة في الديموقراطية واحترام آراء القواعد الشعبية، تجربة أقل ما سيُقال فيها إنها تاريخية لم يعرف لبنان مثيلاً لها في العمل السياسي.
بالإذن من أحزاب قبضات القيادة الحديدية وأنصاف الآلهة و"نفذ ثم لا تعترض": عيونكم على "البريستول" الأحد.