لم يعد في لبنان من مكان للأيدي الممدودة. الأمر لا يقتصر على السياسة بل على الاقتصاد ايضا وعلى الاقتناع والركون او الاطمئنان.
لا ندري ماذا يضيف الرئيس المكلف نجيب ميقاتي الآن، الى الأبجدية السياسية التي نادى بها الرئيس سعد الحريري منذ أعوام، عندما كرر مئات المرات أن يده ممدودة وأنه حريص على الحوار والتفاهم والعمل والانتاج في اطار حكومة وطنية تلمّ الشمل.
إنه لا يضيف شيئا، فالمعروف أن عصيّ 8 آذار وضعت في دواليبه ودواليب حكومته منذ اللحظة الاولى، ورغم هذا ظلت يد الحريري ممدودة. وهي ممدودة حتى الآن وفي المستقبل على ما يبدو. رغم أن البعض قد يظن أن في موقفه الحازم من قضية المحكمة وغلبة السلاح وصون دستور الطائف، قد سحب هذه اليد الممدودة وهذا ليس صحيحا في الجوهر، كما تقول أوساطه، لأنه يتمسك بالحوار وهو يشهر المعارضة المدنية السلمية البناءة وهو ما يشكل استمرارا لليد الممدودة ولكن على قاعدة الثوابت الوطنية التي تتبناها 14 آذار.
❐ ❐ ❐
الرئيس ميقاتي يكرر منذ تكليفه تشكيل الحكومة ان يده ممدودة الى الجميع. والطريف في الامر، أن الذين رفضوا التقاط يد الحريري الممدودة زمنا طويلا، أي أهل 8 آذار، يتحدثون الآن هم ايضا عن اليد الممدودة، في حين يضيف ميقاتي انه يتمسك بالكلمة الطيبة من أجل طمأنة اللبنانيين وتحصين الوحدة الوطنية والاستقرار العام.
وليس واضحا طبعا من أين سيأتي بما يساعد على تحصين الوحدة الوطنية ويؤكد وجود مؤشرات عملية ثابتة للاستقرار العام، ولا من الواضح ايضا، من أين سيجلب العناصر الكفيلة بطمأنة اللبنانيين وفي البلد يا سيدي، أكثر من أربعة ملايين من الايدي الممدودة تضرعا لله طلبا للخلاص أو تسولا للهجرة أو الوظيفة حتى لصفيحة بنزين او لرغيف من الخبز مثلا، وذلك بعد ستة أعوام من سياسات تعطيل الدولة والحكومة والسلطات.
هذا الامر قد يستمر مع ميقاتي وربما بطريقة أسرع، فكل ما يقوله عن نياته الحسنة وتدوير الزوايا لن ينفع في شيء، ولا بد من ان يكون قد بدأ منذ الآن يتلمس هذا الامر في التعامل مع حلفائه والذين خاضوا به انقلابا دستوريا بوسائل اكراهية لا يختلف عليها اثنان.
❐ ❐ ❐
ومع تقديرنا واحترامنا للرئيس المكلف نقول إنه قفز فعلا الى بحر هائج وزاد من هياجه ما يجري في المنطقة العربية، وذلك لمجرد ان الواقع السياسي الراهن في لبنان مصاب بانقسام جذري بين "الآذاريين" هنا وهناك، حيث لا تنفع المراهنة على الحذاقة وحسن النيات وتدوير الزوايا، وخصوصا اذا كان ميقاتي يعتبر سؤاله: "هل هناك من لا يريد الحقيقة والعدالة من دون مواربة او استثمار سياسي؟" فنا من فنون تدوير الزوايا التي لا يمكن تدويرها بعد كل محاولات الحريري والمساعي التي بذلت في سياق "س. س" وانتهت برفع اليد السعودية ايضا كما هو معروف… ودائما الايدي الممدودة، التي لا تجد من يمسك بها ويصافحها فعلا!
ولعل المثير في قصة يد الرئيس المكلف الممدودة، انها تأتي بعد حقبة طويلة من التعطيل والضغوط التي تعرض لها الحريري وحكومته، ولا بد أن ميقاتي يتذكر كل ما قيل عن أننا وصلنا الى مرحلة غالب ومغلوب، كما رددت أوساط 8 آذار، عشية اسقاط الحكومة بالثلث المعطل ظاهرا وبغلبة السلاح واقعا كما يقول أهل 14 آذار.
وبعدما ثبت عمليا الاتجاه الى نظرية الغالب والمغلوب كيف يمكن ميقاتي استعارة شعارات الحريري عن الحوار والتفاهم والايدي الممدودة وطمأنة اللبنانيين وتحصين الوحدة الوطنية؟
لقد كانت الامور واضحة وجلية منذ تغيرت موازين القوى النيابية على النحو المعروف والذي من العبث الحديث عن دستوريته أو عن حرية الممارسة السياسية للنواب، فهل كان من المعقول ان يُطلب من سعد الحريري وتياره وحتى من حلفائه في 14 آذار، وخصوصا بعدما استُقيلت حكومته، لأسباب تتعلق بالمحكمة الدولية تحديدا، أن يدخلوا حكومة جديدة يرى هؤلاء انها تجيء لتعمل على ما رفضت حكومة الحريري أن تفعله، أي محاولة هدم المحكمة لبنانيا؟
❐ ❐ ❐
وعندما يكرر الحريري في مواقفه الاخيرة أن الحل في اطار المساعي السعودية – السورية وبمبادرة من خادم الحرمين الشريفين، كانت تقوم على مبدأ المصالحة الشاملة والمسامحة الشاملة بين جميع اللبنانيين، فليس من المنطق ولا من الأصول ان ينسب الى المقربين من ميقاتي القول:
"ان التسوية السورية – السعودية التي كان وافق عليها الرئيس الحريري تضمنت صراحة إلغاء المحكمة في مقابل استمراره في موقعه…".
هذا كلام معيب ومسيء. ولا نظن ان ميقاتي يقبله او يوافق عليه. فالحريري لم يأت ليبيع دم والده الشهيد بكرسي في السرايا، وأي كرسي وأي سرايا في بلد الايدي الممدودة دائما الى الرفض والتعطيل او الفراغ… ولن يكون في وسع الوسطية ان تشق بهذا الاسلوب طريقا سالكا اسمه: "ماشي الحال"!