#dfp #adsense

ميقاتي الثاني: عبور “ناري” ؟

حجم الخط

شكلت الولاية القصيرة لحكومة نجيب ميقاتي عام 2005 والتي وفّرت لها ان تمهد المرحلة الانتقالية الى الانتخابات النيابية في ذلك العام المفصلي بطاقة مرور ناجحة لرئيسها أهلته لدخول نادي رؤساء الحكومات الذين لا تُشعل اسماؤهم إثارات حادة على أي من محاور الصراع الداخلي وضفافه. كان ذلك بفعل حرص صاحب التجربة الحكومية الأولى في مساره على عدم إحراق فرصته وإبراز قدرته على فهم دقيق لمفاعيل الحدث المدوي الذي أودى بحكومة الرئيس عمر كرامي عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فأمّن ميقاتي في الأشهر القليلة من ولايته انتقالاً ذا صدقية للسلطة عبر انتخابات حملت انتصاراً ساحقاً لقوى 14 آذار وجعلته يخرج بشهادة متجردة خصوصاً بفعل امتناعه عن ترشيح نفسه في تلك الانتخابات.

تشاء المفارقة بعد ست سنوات ان تضع الرئيس ميقاتي في الموقع السلطوي إياه، وعند مشارف تجربته الثانية التي تبدو مقبلة على الحسم في شهر آذار نفسه من هذه السنة، بل عند مشارف الذكرى السادسة لـ14 آذار أيضاً وأيضاً. ولعل باب المفارقة هنا يتخذ بعداً رمزياً شديد السطوة على صاحب التجربة الثانية، ليس من منطلق كونه بات بفعل أمر واقع في مواجهة مع قوى 14 آذار، بل أبعد من ذلك. فهذه التجربة الطالعة ترسم للرئيس ميقاتي ما يفترض انه لا يريده لنفسه، وهو ان يغدو رمزاً لحكومات انتقالية تقع في مرتبة وسطية بين مراحل صراع تتبدل عناوينها وشعاراتها وظروفها بتبدل أحوال لبنان.

والحال أن التجربة الميقاتية الأولى كانت انتقالية صرفة بفعل ظروف محض لبنانية، في حين أن التحسب للطابع الانتقالي لتجربته الثانية يمليه هذه المرة زلزال الغضب المتدحرج في الشوارع العربية مجندلاً كل اسبوع نظاماً او عرشاً على نحو مذهل لم يعرفه تاريخ هذه المنطقة، حتى أنه يتعين على الناظر بموضوعية الى التجربة الحكومية الطالعة أن يدرك جسامة الموقف الذي يجد الرئيس ميقاتي نفسه فيه، لمجرد مقارنة بين تكليفه قبل شهر وخمسة أيام ومآل هذا التكليف اليوم. في هذه الفترة الخاطفة لم يبق شيء على عتيقه. لا الموالاة ظلت موالاة ولا المعارضة بقيت معارضة ولا "خبر" ينبئ بأن سوريا هي سوريا نفسها قبل 25 كانون الثاني أو سوريا متبدلة ومختلفة. وها هي نذر الصمت السوري تضج في حيرة الحلفاء قبل الخصوم وجميعهم يضربون الأخماس بالاسداس على وقع حسابات ربح وخسارة في الداخل اللبناني تبدو بدورها متخلفة عن اللحاق اللاهث بتطور عربي تاريخي لا يزال في بداياته ومنذراً بمزيد من الإذهال أمام وهج زلزال الأنظمة العاتية.

ثمة ما لا يمكن التنكر له هنا، بصرف النظر عن ضجيج كل خطاب تعبوي على ضفتي أكثرية جديدة ومعارضة جديدة، وهي "حكمة" التهيب والتروي في تأليف الحكومة. فالواقع الموضوعي يشير الى تجنب الرئيس ميقاتي الوقوع في سقطة أو وهدة التسرع في تشكيل حكومة اللون الواحد، ولو أن هذه الكأس سيتجرعها في النهاية ويتحمل تبعاتها أسوة بالنافذين فيها. لكن مع بداية التكليف، وظروف "الانقلاب" كما كان مخططاً له، لكان التسرع في التأليف فجّر أكثر من شارع غضب في لبنان. ولعل صاحب التجربة الثانية يسعى الآن الى "اللطف في القدر" ان كان محتوماً، وهو قدر من شقين: لون واحد مخفف يقلل ما أمكن تقديم "الهدايا" لمعارضة متوثبة ناشطة للثأر من "الانقلابيين" من دون هوادة، ولون انتقالي في حمأة الثورات العربية المتدحرجة التي لن تجعل الحكومة العتيدة تنام ليلة على حرير الأمان، فيما كل شيء من حولها يهدم كل العتيق العربي. وهما لونان لبطاقة عبور نارية هذه المرّة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل