#adsense

فريق يرفض الوصاية السورية وآخر يستدعيها

حجم الخط

في ضوء الثورات والانتفاضات العربية، بما تعنيه من تفكير جديد وتوق الى التغيير، يبدو الانقلاب الذي هندسته دمشق مع "حزب الله" في لبنان منتميا بقوة الى نمط بال من السياسة، مناقض تماما لروح الحراك الحاصل في المنطقة. هذا الانقلاب يريد اعادة انتاج نظام الوصاية والهيمنة، ويريد مواصلة تأجيج التناقضات واللعب عليها، ويريد أخيرا تكريس تسلط فئة على جميع الفئات وبالتالي على الدولة والمؤسسات.

كان هذا الانقلاب الثاني، بعد الاول في 7 ايار 2008، لكنه غير مرشح لتحقيق أغراضه حتى لو توصل الى استيلاد حكومة جديدة، وبمعزل عن اللون السياسي الذي ستظهر به. وكان اتفاق الدوحة "مجرد تسوية موقتة، متوازنة ظاهريا لانها بنيت على تنازلات داخلية من أجل الحفاظ على العيش المشترك وإنهاض الدولة وإنعاش الحوار الوطني وجعله الممر والآلية الضروريين لحل الخلافات. ولو قدّر لـ"مؤتمر المصالحة والمسامحة" ان ينعقد في الرياض، وفقا لما كان مقترحا، لأمكن الخروج بصيغة تبني على "اتفاق الدوحة" بل تذهب أبعد في توضيح ضوابط اللعبة السياسية واخضاعها لثوابت وطنية مشتركة. إلا أن الانقلاب الحالي أطاح هذا الامل من دون ان يبقي خط رجعة او بابا مفتوحا على تسوية جديدة.

حققت سوريا من خلال هذا الانقلاب انتصارا، لكنها لا تعرف الآن ماذا تفعل به، ولا كيف تستثمره. لا شك أنه كان ضربة محكمة وناجحة لو أنه أنجز بصراع سياسي بحت، إلا أنه نفذ على خلفية السلاح والترهيب والضغوط. لذلك وجدت دمشق ان بين يديها انتصارا تحتفل به مع الحلفاء الايرانيين واللبنانيين، لكن ستقع على عاتقها وحدها مسؤولية ادارته وتحمّل نتائجه. الأرجح انه كانت لديها حسابات معينة لم تظهر محصلتها حتى الآن، وقد لا تظهر على النحو الذي تتوقعه. من ذلك مثلا ان الاطراف الداخلية والخارجية ستضطر للتعامل مع "الأمر الواقع" الذي افتعلته، ما يعني عمليا انها ستستعيد الوصاية بشكل أو بآخر، فمجرد عدم الرفض الخارجي لتكليف الرئيس نجيب ميقاتي شكل في نظر دمشق عاملا ايجابيا، لكن عدم رفضه شيء ومجيء حكومة تديرها دمشق وايران شيء آخر. ومن تلك الحسابات أيضا ان قوى الاكثرية السابقة في لبنان سينفرط عقدها لأن ما يجمعها هو وجودها في السلطة، أو ربما ترضخ للانقلاب وتشارك كأقلية في الحكومة الجديدة طالما ان السلطة هي ديدنها ومحط آمالها.

غير أن هذه القراءة السورية لما يجمع قوى 8 آذار او يفرقها، ليست موفقة ولا حتى ذكية او دقيقة، لأنها تسقط من حسابها التغيير الذي تبلور منذ 2005 تحديدا بعد الاغتيالات السياسية. فالسلطة تبقى غاية وهدفا لكن ليس بأي ثمن ولا بأي شكل، وبالتأكيد ليس بالطريقة التي كانت متبعة في عهد الوصاية، ومن دون شك ليس بالطريقة التي تترتب عبر الانقلاب الحالي. ووفقا لذلك التغيير في تفكير السياسة وممارستها أصبحت هناك مسؤولية وطنية ملحة تتطلب الخروج من قالب الحرب الاهلية ونتائجها، ولا سبيل الى ذلك إلا بالعودة الى الأصول، أي الى الدولة والدستور والشرعية، وبالتالي الوقوف بمواجهة كل ما وكل من يريد الاستمرار في اضعاف الدولة وانتهاك الدستور والاستخفاف بالشرعية. وهذه ليست مبادىء انشائية لا مغزى لها وإنما حاجات وأدوات وطنية وبديهية، لا بد منها لبناء الوحدة الوطنية وحماية العيش المشترك و"استعادة القرار الاستراتيجي الى داخل الدولة"، كما جاء في البيان الاخير لقوى 14 آذار، سواء تعلق الامر بالسلاح غير الشرعي او بالمحكمة الدولية وضرورة تحقيق العدالة.

هذه المبادئ لا تخص، بل لا يفترض ان تخصّ، أي فريق لبناني من دون الآخر. إنها لمصلحة الجميع كقاعدة لوفاق حقيقي، وهي ايضا لمصلحة سوريا كأساس لعلاقات سليمة قائمة على الاحترام المتبادل بينها وبين لبنان. ولا بأس بشيئ من الصراحة الفجة: اذا كانت التجربة برهنت ان فئة او طائفة بعينها لا تستطيع مهما أوتيت من قوة ان تتحكم بالبلد او تحكمه وحدها، فان التجربة ذاتها تفيد بأن أي جهة خارجية لا تستطيع ايضا ان تستأثر بـ"ادارة" لبنان وفقا لتوجهاتها او تحالفاتها او نزواتها، سواء كانت سوريا او ايران او الولايات المتحدة أو السعودية. والمعلوم، حتى 2005، أنه كانت هناك صيغة توافق دولي – عربي على ان يعهد بالشأن اللبناني الى سوريا، وليس الى سوريا زائد ايران. هذه الصيغة سقطت ولم تعد صالحة لأسباب كثيرة لعل أهمها ان تيارا استقلاليا فرض نفسه في لبنان، وهذا التيار يريد ان يكون منفتحا ومتعاونا مع سوريا كما مع الولايات المتحدة كما مع ايران. وليس في قواعد هذا التيار من يعتقد أنه شارك في تظاهرات "ثورة الارز" لإحلال وصاية اميركية (أو اسرائيلية) محل وصاية سورية (أو ايرانية)، بل من أجل استقلال يحترمه هؤلاء جميعا، وهو أقل ما يستحقه شعب مرَّ بحرب أهلية كادت تقضي على وجوده وعلى دولته.

أكثر ما يثير الاستغراب والألم أن لا تكون هذه المبادئ السيادية – الاستقلالية في صلب أهداف المقاومة، وأن لا تكون المقاومة حاملة لواءها، وأن لا يكون سلاح المقاومة مدافعا عن كل مواطن لبناني يريد لوطنه ان يكون – أو حتى أن يحاول أن يكون – متمتعا بالاستقلالية التي يطمح اليها أبناؤه. سيقول قائل، بل قائلون، إن هذه رؤية قصيرة النظر، لأن المقاومة هي التي استعادت للوطن كرامته في مواجهة الاستكبار الاسرائيلي. هذا صحيح، لا يمكن أحدا أن ينكره، لكن ماذا بعد. فالمسار الطبيعي، المنطقي، ان يلتقي التياران، الاستقلالي والمقاوم، فكلاهما يريد العيش في هذا البلد، وليس لأي منهما ان يتحكم بالآخر أو يخوّنه أو يسقطه أو يستهين به، وليس لأي منهما ان يتلاعب بالاستقرار أو يعبث بمكانة الدولة أو يتكبر على العيش المشترك ومقوماته. على هذه المفاهيم تقوم الوطنية الجامعة أو لا تقوم.

في حمأة الانقسام، جاء الانقلاب الذي هندسته سوريا و"حزب الله" ليجدد الصراعات ويفاقمها، لا ليعالجها أو يخفف منها. والفارق بين الطرفين ان 8 آذار تختصر الامر بأن هناك مؤامرة خارجية، بالاحرى أميركية – اسرائيلية، على سلاح المقاومة. أما 14 آذار فترى ان هناك مؤامرة سورية – ايرانية على الدولة والاستقلال. بين المؤامرات المتزاحمة كان يفترض الحفاظ على حكومة يشارك فيها الجميع وأن تكون هناك خيارات داخلية تحترم طموحات اللبنانيين. لكن الذهاب الى حكومة انقلابية لنصرة مؤامرة ضد مؤامرة مضادة، لا يعني سوى التآمر على البلد وأهله.

المصدر:
النهار

خبر عاجل