#adsense

الأولوية لإسقاط نظام الهيمنة الفئوية المسلّحة

حجم الخط

تبذل اليوم محاولة للإيحاء بأنّ "التناقض الرئيسيّ" لم يعد بين 8 و14 آذار وأنّه ينبغي التفتيش عن عناوين جديدة للحياة السياسية اللبنانية بما يتجاوز هذه الثنائية، ويتواءم مع ثورات "الشعب يريد" العربية.

هذه المحاولة تعني في وجهها الغالب التأقلم مع نظام الهيمنة الفئوية المسلّحة الذي يفرضه "حزب الله" منذ انقلاب "القمصان السود" على مرجعية انتخابات 2009، ولأجل الإيحاء بأنّه يمكن تحصيل مكتسبات "علمانية" أو "إجتماعية" في إطار هذه الهيمنة اللاشرعية، وأنّه يمكن بالتالي تجميل وجه هذه الهيمنة في مقابل منحها شرعية مدنية، وكلّ ذلك على حساب المكتسبات السيادية والاستقلالية لعام 2005، وعلى حساب قضية المحكمة الدولية.

وطبعاً، في كلّ مرة تزدهر فيها الدعوات إلى إفراز "قوة ثالثة" تدّعي مجاوزة الصراع القائم بين 8 و14 آذار، لا تلبث هذه القوة عن كشف وجهها الحقيقيّ كـ"طليعة ذيلية" مقاتلة في سرايا 8 آذار. فباسم رفض "الثنائية الآذارية" (8 و14) يجري التسويغ لبقاء الأمر الواقع الفئويّ المسلّح على حاله، وتأمين حماية "لاطائفية" لهيمنة الثنائية غير المرحة "حزب الله حركة أمل".

هذا لا يعني أنّ الثنائية بين 8 و14 آذار تختزل وحدها المستوى السياسيّ في لبنان. ولا أن التفكير "أبعد" من هذه الثنائية غير ممكن. إنّما دون ذلك شروط أهمّها ملاحظة الثنائيات الأخرى التي يتبلور تبعاً لها الواقع السياسيّ اللبنانيّ.

وأوّل هذه الثنائيات متّصل بالمسألة الكيانية الوجودية، أي العلاقة بين المسيحيين ككل والمسلمين ككل في هذا البلد. تثمر هذه الثنائية تناقضاً بين إتجاهات ثلاث: الاول يرى إلى المناصفة الإسلامية المسيحية كمناصفة نهائية متعالية على العدد ومترادفة عضوياً مع نهائية الكيان اللبنانيّ، فإذا أُبطِلَت انتهى. والإتجاه الثاني يرى إلى كل من المناصفة ونهائية الكيان كأمرين مؤقّتين لا بدّ زائلين. والإتجاه الثالث يدعو جهاراً إلى الإقلاع عن المناصفة لأجل إقامة كيان آخر، قد ينشد النهائية على طريقته، إنّما بشكل مختلف كلياً عن السبب الذي تأسس الكيان اللبنانيّ عام 1920 لأجله، وهو الحل الوطنيّ للمسألة المارونيّة.

أما ثاني هذه الثنائيات فمتصل بالإنقسام المذهبي السنيّ الشيعي الذي يتجاوز لبنان إلى الإقليم، والذي كان منذ القرن السادس عشر الإنقسام الإستراتيجي بين المجالين العثمانيّ والصفويّ، والذي اتخذ أبعاداً جديدة بعد الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية، وأبعاداً أكثر خطورة بعد الإحتلال الأميركيّ للعراق وانفجار الحرب الأهلية في ظلّ الإحتلال والإطاحة النجادية للخاتمية في إيران ثم عودة "حزب الله" إلى الغلوّ الأيديولوجيّ والأمنيّ، وصولاً إلى "7 أيّار" و"القمصان السود" وفرض نظام الهيمنة الفئوية المسلّحة.

وثالث الثنائيات متّصل بالتناقض المجتمعيّ الذي يتجاوز قسمة "مسلم ومسيحي" وقسمة "سني وشيعي" وقسمة "8 و14" ويتعلّق بنمط عيش اللبنانيين، وهنا فإنّ التباين واضح ونافر بين البيئة التي ينميها "حزب الله" والتي تنشد تحويل المذهب إلى طائفة مقفلة، أي إلى إثنية كاملة، وبين البيئات الأخرى التعدّدية والمتداخلة، بما في ذلك البيئات التي تتفق سياسياً مع "حزب الله". هذا التناقض المجتمعيّ حيويّ للغاية، ولم تعرف الحركة الإستقلالية كيف تشخص إليه منذ ست سنوات وإلى اليوم. كما أنّه تناقض من نوع يمكنه أن يتطوّر حيناً لوضع "حزب الله حركة أمل" في مقابل جميع الآخرين مجتمعياً وثقافياً، ويمكنه أن يحصر الرقعة في ظروف أخرى، لكي يصبح بين "الجهاز الجناح" النجاديّ داخل "حزب الله وبين كل اللبنانيين الآخرين بما في ذلك القواعد الأهلية لـ"حزب الله".

لكنه، وعند بسط كل هذه الثنائيات البنيوية بالنسبة إلى المستوى السياسيّ في لبنان ينبغي ألا ننسى الثنائية الأهم من كلّ ذلك، والمتجسّدة في كلّ هذه الثنائيات، أنها تلك التي تفصل بين من يقبل بالفكرة اللبنانية وبين من يرفضها.

والفكرة اللبنانية، كما قامت بدءاً من دستور 1926، استندت إلى معادلة ملكة: العلاقة بين الكنائس المسيحية والدولة هي علاقة علمانية، بمعنى الاستقلالية القانونية للكنائس عن جهاز الدولة، في حين ان العلاقة بين المذاهب الإسلامية والدولة هي علاقة غير علمانية، بمعنى ارتباط الديني بالدنيويّ، من خلال ربط الإفتاء بجهاز الدولة. إنها إذاك دولة مسيحية للمسيحيين ومسلمة للمسلمين، وهي في ذاتها لا مسلمة ولا مسيحية. واليوم، كما في الأمس، فإنّ التحدّي يكمن في فهم هذه الصيغة، لأنها أبعد من مسألة "نظام"، إنّها فكرة الدولة نفسها، الدولة الديموقراطية الطائفية اللبنانية. فالطائفية ليست "نظاماً" كي يتم إسقاطه. إنها الدولة، ولا يوجد هناك شيء إسمه إسقاط الدولة، إنما هناك شيء إسمه فرط الدولة.

وخير دليل على هذا الإلتباس ومغبّة الوقوع فيه وخطورة ذلك هو ما انتهى اليه البرنامج المرحلي للحركة الوطنية في السبعينيات، يوم تطوّع فريقها الشيوعيّ في خاتمة الأمر لطلب سحب بند العلمانية الشاملة من البرنامج إرضاءً لطوائف، ومطالبة بإلغاء الطائفية السياسية. اليوم أيضاً، هناك من يريد للتاريخ أن يكرّر الأخطاء نفسها، وهذه المرة ليست بالإتكاء على حركة وطنية ذات طابع يساريّ أو على ثورة فلسطينية، وإنّما على حزب مسلّح بأيديولوجية أصولية يرفع شعار "الإستعداد لتحرير الجليل".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل