من اخطر ما تعانيه المنطقة العربية في هذه الايام، هو اتكال بعض شعوبها على ما يمكن ان تسفر عنه «ثورات التويتر والفايسبوك والانترنت من متغيرات يصعب معرفة خلاصاتها»، لاسيما في ظل انعدام توافر بدائل مقنعة لما حصل في تونس وفي مصر (…) وما هو مرشح الحصول في الجزائر وفي ليبيا وعدن والبحرين وسلطنة عمان، حيث الامور مرشحة لمزيد من هدر الدم، قبل ان يتحدد اكثر من مجرد عنوان لتغيير في القيادة وفي السلطة وفي الشكل المرتقب لهذه الدولة او تلك!
في لبنان، عرفنا مثلا ان الغاية من تغيير الحكومة قد يتعدى الانتقام من المحكمة الدولية بما في ذلك «رد الاعتبار الى القتلة (…) والى كل من ولغ من دماء رفيق الحريري والبقية من رجالات الاستقلال الثاني». وهذا الهدف بحد ذاته يستحيل ان يتحقق لمجرد وجود رغبته باستخدام القوة عند البعض، بقدر ما يصح القول انه دليل مخطط لنسق مقومات الدول كأرض وشعب ومؤسسات. ويقال ايضا في هذا المجال ان العودة بالخطأ الى تفاهم الدوحة يلبي جانبا من توضيح الصورة الخطأ للمجريات العامة في البلد، ان من خلال تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة العتيدة، او عبر الفشل المرتقب الوصول اليه جراء تعذر الوصول الى رؤية حكم واضحة المعالم والاهداف قبل التفكير بما يرضي حزب الله وميشال عون والبقية الباقية ممن ينتظر الفتات الوزاري، هذا في حال كان تفكير بتوزيع حصص لارضاء اكبر كمية ممكنة من قوى 8 اذار؟!
والاسوأ ربما من كل ما تقدم يمكن في اضطرار الرئيس ميقاتي لان «يمشي بين بيض حزب الله» بالنسبة الى موضوع المحكمة الجنائية الدولية وهذا الامر ينطبق على اضطراره ايضا لان «يسير بين الغام ميشال عون الذي يتصرف وكأن قرار توزيع الحقائب مناط به وهو دليل سلبية مطلقة بحسب اجماع المراقبين لجهة ما هو مرتقب من تعقيد ولجهة فقدان السلطة توازنها جراء عدم توافر الحد الادنى من الصدقية السياسية ومن موجبات ممارسة السلطة!
والفرق بين الانقلاب السياسي الذي حصل في لبنان والانقلابات الشعبية في تونس ومصر (…) وما يعد من انقلابات مماثلة في دول عربية اخرى، ان التطورات فيها تحمل على الاعتقاد ان المؤامرة في مصر تتجاوز اشخاص الحكام وانماط تعاطيهم السياسي، طالما ان لا بدائل مطروحة باستثناء ما يتردد عن استعادة الشعب قراره الوطني. وهذه قد تكون حقيقة كما قد تكون كذبة سياسية تمليها ظروف البعض لتبرير انقضاضهم الشخصي على مراكز القرار لغايات وابعاد مذهبية، بحسب الحاصل في اليمن والبحرين في حال سلمنا جدلا بان لا لون مذهبيا لما حصل في تونس وفي مصر وليبيا، مع العلم ان الاصابع الانتقامية الخارجية واضحة وتعود الى مصالح اقليمية ودولية حيث كان التقاء في التوجه الانتقامي ضد مصر بمعدل الالتقاء المماثلة في كل ما يحصل في ليبيا وما يرشح حصوله في دول اخرى اكدتها عرضا معلومات «اعلام التويتر والفايسبوك والانترنت التي ورثت ارقى انواع الاسفاف السياسي – الفكري طالما انها غير معروفة الاب والام هذا في حال استثنينا بعض الاوجه المؤامراتية – الاجنبية والعربية في آن!
وطالما ان لبنان بعيد نسبيا عن مؤثرات التويتر والفايسبوك والانترنت التي ادت الى ما ادت اليه في تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن ومسقط، فان فشل الوسائل المشكو اليها في تسيير الدفة الانقلابية الشعبية لم يصل الى الحد المماثل في ايران مثلا، «لان تصرف القذافي الاستبقاي قد تأخر بعكس اجراءات حكومة محمود احمدي نجاد ونظام الائمة في ايران». ولو فعل مبارك مثل فعل السلطة الايرانية لكان قد وجد من يكتفي بالاعتراض عليه وانتقاده كما هو حاصل في ليبيا معمر القذافي من غير ان يعني ذلك سقوط النظام في مصر لمصلحة اللانظام، وهذا الحاصل في تونس يحصل مثله في مصر من دون ان يصل الانقلابيون الى السلطة بما في ذلك تحديد هويتهم الوطنية والسياسية بمستوى الكلام على النتائج العملية التي حصدوها!
صحيح ان السلاح لم يستخدم في الثورة التي اطاحت بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي وبالرئيس المصري حسني مبارك، لكن ليس من ينفي انه كان بوسع بن علي ومبارك المد بعمر رئاستيهما لو استخدما السلاح، كما الحاصل في ليبيا واليمن والامارات ومسقط، وكما الحاصل في ايران حيث لا مجال للتصديق ان بوسع العين مقاومة املخرز (…)
والاصح بالنسبة الى القياس اللبناني ان «السلاح قد فعل فعله الاستباقي» بدليل الانقلاب السياسي الذي عصف بالبلد وقلب الموازين باختلاف توجهات اقليمية – خارجية لا علاقة لها بمصلحة البلد بقدر ارتباطها بمصالح خاصة لا مجال للمقارنة بينها وبين ما هو مرتقب، حتى في مجال الانسياق وراء حصص من هنا وارتباط سياسي من هناك من غير ان ننسى الارتباطات المذهبية الخارجية القادرة على تحويل اخضر لبنان الى يابس!
بعد قرار قوى 14 اذار عدم المشاركة في حكومة مهيأة سلفا لان تطلق النار على المحكمة الجنائية الدولية بحسب مؤشرات حزب الله وميشال عون وخوارج قوى 8 اذار، فان الامور تبقى مرهونة بما سيصدر من الرئيس المكلف لتلافي الاتهام الاول بما في ذلك الاتهام الثاني القائل انه سيقع فريسة حتمية للشروط التي فرضت عليه من قبل ان يتقرر اختياره للتكليف. فيما يبقى القول ان لبنان سيراوح بين ثورة «التويتر والفايسبوك والانترنت وثورة الرد بالقوة على الطريقة الايرانية – السلبية شاء من شاء وابى من ابى؟!