#adsense

“أبو منخل”..

حجم الخط

ليست الذاكرة إلا أداة بائسة في زماننا الحاضر. تُستخدم على قياس صاحبها، لكنها لم تعد ذلك المصدر الموثوق، في حضور تقنية الصوت والصورة الحديثة. وذلك هو النبأ السيئ للناكر والبالف والمزوّر والناوي على الدوام لعب مصارعة مفتوحة مع الحقيقة المجرّدة والبعيدة عن الهوى ونوازع النفس الأمّارة بكل سوء.

قيل سابقاً ويُقال راهناً، إن الذاكرة الطويلة تعني في بعض الأحيان إغلاقاً للعقل وليس العكس. والمقيم في ذاكرته يجترّها من دون كلل، لا يفعل إلا الابتعاد الدؤوب عن واقعه الراهن، كما لا يفعل إلا إقفال النوافذ المطلّة على الدنيا كما هي، لا كما كانت وراحت.

..لا يحق للجنرال "أبو منخل"، المقيم في أناه أن يدعو الآخرين الى وليمته ومجلسه. لا يتسع المقام، خصوصاً إذا كانت الذاكرة معبأة بسوالف وخبريات وحوادث ومطولات تخص الآخرين أكثر مما تخصّ صاحب الدعوة. كما لا يحق لذلك المقيم في ذاكرة منخلية أو انتقائية أن يعمم منخله وانتقائيته على الآخرين.. يحق له ذلك لنفسه وعنها وبينه وبينها، لكن لا يحقّ له أن يفعل ذلك مع الخارج وإلا صار الأمر تزويراً وبلفاً ونكراناً ليس إلاّ.

.. ثم بعد، يحق للجنرال "أبو منخل" أن يستشهد بالتاريخ كيفما يشاء، لكن لا يحق له الابتسار والاختصار واستغباء السامعين والشايفين على طريقة الأخ العقيد أبو "زنقه زنقه"، يلوي كيفما يشاء أعناق حقائق ومدوّنات ووثائق ووقائع لم يمرّ عليها الزمن ولن يمرّ.

يخبرنا أن ذاكرته انتقائية ومطّاطة، وهذا أمر معروف ولا حاجة لتأكيده. ويحاول بعد ذلك أن يعيدنا غصباً عنّا، الى الزمن الغابر حيث الحوادث سوالف منقولة عن أشخاص وأفراد، ولكل منهم طريقته في النقل والسرد والشرح والتعليل، وفوق ذلك لكل منهم نوازع وأهواء، مستغبياً الناس ناسياً أو غافلاً أننا في زمن آخر فيه تقنية أقوى من البلف والهوى والاستطراد ووقاحة الكذب وممارسات التزوير.

ينسى أو يتناسى أو يتغافل أن 14 آذار لم تنس. وتُعاقَب لأنها لم تنسَ، فيما هو يدّعي النسيان ويكافأ على ذلك.. على نكران تاريخه و"تراثه" المعلوم للصغير والكبير، والطويل والقصير والقاشع والضرير والغني والفقير.. وينسى أو يتناسى أن أي نبش للذاكرة لا يفيد منطقه وصدقيته بشيء، بل يمسح بهما الأرض وما تحتها، وينسى ويتناسى أن التوصيف الطبي لـ "حالته" يذهب أبعد بكثير من قصة "الزهايمر" والنسيان ليصل الى محل خاص بملكات العقل في أساسها ومحورها، وفي ذلك ليست الذاكرة المثقوبة والمعطوبة إلا جزءاً بسيطاً من ذلك المحور الضامر الذي يختلط فيه الخرف بجنون العظمة الواعية.
"الزهايمر"، يا أبو الميش، ليست إلا جزءاً من علّة العقل. لكن المصيبة في العقل المعلول.. والسلام!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل