#adsense

مشروع “حزب الله” بين قضم الدولة والحرب الأهلية

حجم الخط

"لبنان الآن يشبه إيران 1977، ولو نراقب ونعمل بدقة وصبر، فإنه إن شاء الله يجيء الى أحضاننا، وبسبب موقع لبنان وهو قلب المنطقة، وأحد أهم المراكز العالمية فإنه عندما يأتي الى أحضان الجمهورية الإسلامية، فسوف يتبعه الباقون".
سفير إيران السابق فخر روحاني صحيفة "اطلاعات" 1984.

ولاية الفقيه

عندما انتصرت الثورة في إيران سنة 1979 توهم كثيرون منا بأن عهداً جديداً من الحريات الديموقراطية قد بدأ بتحالف القوى المدنية واليسارية مع الإسلام المتنور القادر على قبول الآخر والدخول في شراكة مع المجتمع المدني. لم يطل الأمر الى أن أطل النظام الجديد من خلال عملية تصفية منهجية للتعددية التي نصرت الثورة، فأقصي الجميع عن المشاركة في الحكم، حتى خلت الساحة لسلطة ولاية الفقيه المطلقة لتصبح سلطات الشاه المخلوع كلها في يده، مضافاً إليها سلطة العصمة الإلهية التي وضعت الولي الفقيه فوق المساءلة في الدنيا الأرضية.

وللتوضيح، فإن ولاية الفقيه هي حاكمية الفقيه الجامع للشرائط، الحكيم والشجاع والعادل، في عصر غيبة الإمام المهدي، حيث ينوب الولي الفقيه عن الإمام المنتظر في قيادة الأمة وحكم الله على الأرض. وقد أتى إثبات هذه الولاية من خلال اجتهاد فقهي مبني على عدم جواز الفراغ في قيادة الأمة، وعلى أن الإمام المهدي كان يتواصل مع الناس من خلال أربعة وكلاء في غيبته الصغرى. ويعتقد المؤمنون بهذا المبدأ بأن على المسلمين طاعة الولي الفقيه حتى ممن هم أعلم منه فقهياً. وتعتبر طاعة الولي الفقيه تكليفاً إلهياً، لذلك فإن رد هذه الولاية يعتبر كالشرك بالله، كما أن مد حكم الولي الفقيه يعجل في ظهور صاحب الزمان الإمام المهدي، لأن استمرار غيبة المهدي وعدم تصرفه بأمور المسلمين يعود الى عدم استعدادهم لإطاعته ونصرته من أجل إنقاذ المستضعفين، إذ إن تحقيق هذا الهدف من قبل الإمام موقوف على استعداد البشر لقبول هذه الولاية والالتزام بها والتعود عليها. ويشدد المؤمنون بهذه الولاية على وحدتها حتى لا يسود "الهرج والمرج" بين أتباع الولاة المختلفين.

"حزب الله" وولاية الفقيه:
البيان التأسيسي لـ"حزب الله" أتى كما يلي: "نحن أبناء أمة "حزب الله" الذي نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم أوامر قيادة واحدة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط. كل منا يتولى مهمته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل، بولاية الفقيه القائد. نحن في لبنان لا نعتبر أنفسنا منفصلين عن الثورة في إيران، وندعو الله أن نصبح جزءاً من الجيش الذي يرغب في تشكيله الإمام من أجل تحرير القدس الشريف" 16 شباط 1985.

وقد أكد القيادي البارز في "حزب الله" سنة 1987 ابراهيم أمين السيد بقوله: "نحن لا نقول اننا جزء من إيران نحن لبنان في إيران وإيران في لبنان!".
وهنا سلسلة من مقاطع خطب للأمين العام الحالي لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله نوردها مع التواريخ:
"نحن لا نؤمن بوطن اسمه لبنان بل بالوطن الإسلامي الكبير" 1986.

"إن لبنان وهذه المنطقة هي للإسلام والمسلمين ويجب أن يحكمها الإسلام والمسلمون" 1987.
"كلنا في لبنان حاضرون للتضحية بمصالحنا وأمننا وسلامتنا وبكل شيء لتبقى الثورة في إيران قوية متماسكة" 1987.

"نحن لا نملك مقومات حكم في لبنان والمنطقة، لكن علينا أن نعمل لنحقق هذا، ومن أهم الوسائل تحويل لبنان الى مجتمع حرب" 1987.
"مشروعنا هو إقامة مجتمع المقاومة والحرب في لبنان" 1987.

"على المسلمين أن يسعوا لإقامة الحكومات الإسلامية في بلدانهم، ولا عجب أن ندعو في لبنان الى إقامة الدولة الإسلامية من أجل إقامة السلام العادل الذي يعمل من أجله المهدي" 1988.

"دعانا الإمام لإقامة الحكومة الإسلامية في أي بلد نعيش فيه، وهذا ما يجب أن نعمل له وأن نفهمه تكليفاً شرعياً واضحاً وأن نعمل في لبنان وفي غير لبنان لأنه خطاب الله منذ خلق آدم". 1989.

"افتخر بأن أكون فرداً في ولاية الفقيه الحكيم والعادل والشجاع" 2011.

ونذكر أيضاً تصريحات إيرانية أخرى كقول مستشار الإمام الخامنئي حسين شريعتمداري ورئيس تحرير صحيفة "كيهان" عن حرب تموز 2006 "إن "حزب الله" لا يقاتل من أجل السجناء ولا من أجل مزارع شبعا أو حتى القضايا العربية أياً كنت وفي أي وقت! وإنما من أجل إيران في صراعها لمنع الولايات المتحدة من إقامة شرق أوسط جديد".

واقع الحال:
إن كل ذلك يؤكد ولاء "حزب الله" عقيدةً وقيادةً وأفراداً لمشروع مد سلطة ولاية الفقيه على أكبر بقعة من الأرض وذلك ليس خياراً سياسياً يمكن تبديله، بل هو هدف إلهي عقائدي يجب تحقيقه مهما تبدلت الأحوال أو طال الزمن لأنه يعدّ حسب اعتقادهم مقدمة لازمة لعودة المهدي.

لذلك فإن كل المحاولات للتعامل مع "حزب الله" كمكوّن لبناني ملتزم بالكيان وتعدديته ونظامه السياسي هو وهمٌ وقعَ فيه معظم اللبنانيين في فترات متفاوتة من جراء ممارسة هذا الحزب لمبدأ التقية، ولعدم معرفة معظم المواطنين بحقيقة التزام عناصره وقيادته بتحقيق رؤيا ولاية الفقيه.

ويعتبر "حزب الله" أن امتلاكه السلاح هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الأفضلية على مختلف مكونات المجتمع اللبناني حتى يتمكن من تجاوز الواقع العددي والتعددي لهذا البلد. لذلك فإن امتلاك هذا السلاح يصبح تكليفاً شرعياً وأمراً إلهياً، أما المقاومة فهي التفصيل الذي يستخدمه هذا الحزب ودعايته للدفاع عن استمرار حمل السلاح، والدليل هو كل أنواع وسائل التطويع الداخلية ضد المواطنين لضمان استمرار هذا السلاح في خدمة مشروع مدّ حكم الولي الفقيه.

و"حزب الله" ومن خلال استنكاف المكونات اللبنانية الأخرى عن المواجهة بالسلاح، فإنه يمارس عملية قضم مستمر للسلطات في البلد من خلال خلق أمر واقع جديد في كل مرحلة تحت سطو السلاح الموجه الى الداخل ونحو صدور اللبنانيين. وما شهدناه مؤخراً من انقلاب دستوري ونقل للأكثرية النيابية تحت واقع الترهيب والترغيب إلا مرحلة من مراحل الاستيلاء على السلطات الدستورية في لبنان تمهيداً للحظة المناسبة لقلب النظام نهائياً، وهذا قد يصبح أمراً واقعاً في حال تم تطفيش النخب وتهجير المكونات اللبنانية الأخرى أو وضعها تحت أمر واقع بسبب السلاح الموجه الى صدورهم وعدم قدرتهم على المواجهة بالمثل.

أما الخيار الآخر، وهو الفتنة التي لا تنتظر اليوم إلا من يموّلها ويسلحها، فقد يكون مرغوباً أيضاً من قبل "حزب الله" لأنه حسب اعتقاد قيادته قد يؤمن انتقالاً سريعاً لمرحلة السيطرة الكاملة من قبلهم لأنهم يمتلكون اليد الطولى في هذا المجال، متجاهلين أن غيرهم من الفئات اللبنانية خطر له نفس الشيء في السابق مما أدى الى دمار شامل للبلاد والعباد.

إن إشهار 14 آذار اليوم رفضها للسلاح غير الشرعي، يجب أن يترافق وبوضوح مع شرح واضح لأهداف وجود هذا السلاح وهو نشر حكم الولي الفقيه، أما شعار المقاومة للعدو فما هو إلا تفصيل صغير في ظل الرؤيا الكبرى الأممية التي يريد "حزب الله" وضع لبنان في إطارها كضحية طبيعية ببشره وحجره. لذلك فإن المواجهة مع هذا السلاح يجب أن تكون شاملة وواضحة لأن المسألة لم تعد قضية وجهة نظر، بل هي قضية حياة أو موت لبنان ككيان وصيغة وحرية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل