مع اقتراب تحديد موعد لانتخاب رأس جديد للكنيسة السريانية المارونية بطريركا لإنطاكية وسائر المشرق لا بد من نظرة على الهيئة الناخبة أي مجلس المطارنة الموارنة، وهي في الآن عينه المجموعة المرشحة تلقائياً لملء المركز الشاغر.
إن الانتخابات التي ستجري حتماً خلال شهر آذار حيث حدد مجلس المطارنة الموارنة الاربعاء 9 اذار موعداً لبدء مرحلة الانتخاب (اي ضمن مهلة شهر من شغور الكرسي البطريركي أي قبل 28 آذار) ستكون وفق قانون الكنائس الشرقية الذي يحدد آلية الانتخاب وشروط أهلية المرشحين والمهل الزمنية. وبالنظر إلى هذا القانون نرى دقة وتفصيل في الآلية والمهل بينما نرى هامش تحرك واسع جداً للمطارنة في انتقاء الشخص الذي يرونه مناسباً للمنصب. فلا شرط سن معين، ولا شرط أن يكون مزاولاً لعمله، ولا حتى شروط شخصية وطباع وعلم سوى ما هو متوجب لانتخابه أسقفاً، لا بل أكثر من ذلك فالقانون يفتح حتى المجال للمطارنة لاختيار كاهن لم يرتق إلى الأسقفية بعد. طبعاً هذا الهامش الواسع للمطارنة مبني على مبدأ إيماني متجذر في كل القوانين الكنسية وهو أن المطارنة سيتصرفون بوحي من الروح القدس. وقد جاء جواب أحد المطارنة على "من هو المطران المستحق أن ينتخب بطريركاً" أن لا أحد منهم "يستحق" المنصب ولكن كائنا من كان من سينتخب سيصبح أهلاً للمنصب ومستحقاً له بنعمة الروح القدس.
على الرغم من إيماننا العميق بهذه الحقيقة الروحية هنالك أيضاَ حقيقة روحية أخرى وهي أن الروح يعمل من خلال عقلنا وضميرنا وحواسنا وفكرنا إذا ما كرسناها للرب وهو ما من المفترض أن يفعله الكهنة خلال الخلوة الروحية التي تسبق وترافق عملية الانتخاب. عليه فإن نظرة عقلانية على لائحة المرشحين قد تلقي بعض الضوء على الاحتمالات.
يضم مجمع المطارنة الموارنة 40 مطراناً كلهم ينتخبون ويمكن أن ينتخبوا قانوناً ونظرياً. أما واقع الحال والأعراف الموروثة والمنطق يحد من الخيارات المطروحة. فالواقع يظهر أن البطريرك المستقيل وبعض المطارنة الذين يعانون من عجز أو أمراض تمنعهم من القيام بالمهام المطلوبة يسقطون تلقائيا من لائحة المرشحين. والأعراف تقول إن المطارنة يتفادون انتخاب مطراناً من خارج الأبرشيات اللبنانية كتعبير عن الارتباط الروحي والعضوي والاستراتيجي بين المارونية ولبنان. وأعراف أخرى تقضي بانتخاب من عنده خبرة إدارية طويلة في أبرشيته أو في دوائر بكركي أو في دوائر الفاتيكان. أما المنطق فيقول إن عمر البطريك الجديد يجب أن يكون متقدماً كفاية ليكون لديه الخبرة واحترام الأقران وشاباً كفاية ليؤمن استقراراً في الكرسي البطريركي لخمسة عشر أو عشرين سنة قادمة على الأقل. وهذا المنطق يعني أن عمر البطريرك المنتخب مفترض أن يتراوح بين الستين والخامسة والسبعين سنة كحد أقصى. والمنطق أيضاً يقول ان العلاقات الشخصية وخبرة العمل المشترك والدور في انتخاب مطارنة آخرين، كلها عوامل مؤثرة وإن لم تكن حاسمة. وختاماً يمكن أيضاً للعلاقات والأدوار السياسية للمطارنة أن تلعب دوراً ايجابياً أو سلبياً، ولكن بالإجمال فان أي التزام سياسي فاضح لأي جهة كان، سيكون غير مفضّل. بناءً على هذه الأفكار، يمكن تقسيم المطارنة عمرياً إلى أربعة مجموعات:
* المجموعة الأولى من الذين تجاوزوا سن الـ79 ومن الذين لم يعودوا يزاولوا عملهم الأبرشي تضم 14 مطرانأ هم المطارنة: صفير، حرب، أبي صابر، شديد، حتّي، صادر، اسكندر، الدويهي، أبو جودة (رولان)، درغام، موراني، الخوري، عيد (ريمون)، والجميّل. ومن المستبعد جداً أن يتم انتخاب أحد هؤلاء (علماً أن سن التقاعد للمطارنة هو 75 عاماً) رغم طرح بعضهم لإسم المطران رولان أبو جودة كمرشحً محتمل لا سيما إذا لم يتمكن أحد المرشحين الآخرين من جمع ثلثي الأصوات (أي 27 من 40).
* المجموعة الثانية تضم المطارنة الذين بلغوا السن القانوني أو لامسوه ولكنهم لا يزالون في الخدمة ويبلغ عددهم 10 مطارنة هم المطارنة: سعادة، البيسري، مظلوم، بشارة، نجيم، الخوري، مرعي، شاهين، أبي كرم، وعطالله. هؤلاء المطارنة عندهم الخبرة والمؤهلات والعلاقات التي تسمح لهم بأن يكونوا مرشحين جديين ولا سيما منهم المطارنة مظلوم، بشارة وعطالله. ولكن تقدم السن قد يكون عاملاً أساسياً في استبعادهم، كما أن اطلاق المطرانة الثلاثة لبعض المواقف وعلاقاتهم سياسية قد يزيد من استبعادهم وكذلك كون المطران عطالله راهب أنطوني وانتخابه قد يثير حفيظة الرهبنات الأخرى.
*أما المجموعة الثالثة والتي تشكل المجموعة العمرية الأنسب عرفياً ومنطقياً تتألف من تسعة مطارنة هم المطارنة: الصبّاح، الراعي، أبي عاد، مسعود، مطر، حبيقة، الحاج، عيد، بو جودة (جورج). هنا يبرز الاسمان الأكثر تردداً وجدية وهما المطرانان بشارة الراعي وبولس مطر ولكل من هاذين الاسمين وزنه وخبرته وعلاقاته ومؤيديه، ولكن أيضاً لكل منهما معوقات أيضاً قد تكون سبباً لاستبعاده. كما يمكن أن يبرز من هذه المجموعة أسم توافقي مقبول فاتيكانياً وإن كان يكسر بعض الأعراف كونه راهبا ومن أبرشية خارج لبنان هو المطران فرنسوا عيد.
*المجموعة الرابعة تضم سبعة مطارنة هم المطارنة: أبي يونس، العنداري، نصّار (سمير)، منصور، ماضي، نصّار (الياس)، وسويف والذين تتراوح أعمارهم بين 63 و49 بالتتابع. بين هؤلاء يبرز إسم المطران أنطوان نبيل العنداري الذي قد لا تنطبق عليه المواصفات التقليدية والعرفية ولكنه يمكن أن يشكل صلة وصل بين الأجيال السابقة وجيل الشباب وأن يؤمن فترة استقرار لا بأس بها في البطريركية. أما إذا شاء الروح القدس أن ينفخ روحاَ جديدة وشابة مميزة تكون دفعة تجديدية للكنيسة مع المحافظة على تراث سرياني وطقسي ثمين، فيمكن أن يحضر اسم المطران يوسف أنطوان سويف بقوة وهو اصغر المطارنة سناً وأقلهم خبرة أسقفية ولكن سيرته الكهنوتية كانت واعدة جداً وهو إن لم يكن مطروحاً جدياً لهذه الانتخابات فهو حتماً سيكون مرشحاً جدياً في الانتخابات المقبلة.
ختاماً نعود لنقول إن الروح القدس لا يعمل بحسب المنطق والعرف والواقع بل يعمل بمشيئة الله وإرادته التي يمكن أن تكون معاكسة لكل ما سبق من تحليل. ونقول مجدداً إن كائناَ من كان من سينتخب، فهو سيقود الكنيسة بهدي من الروح وسيكون مستحقاً بقدرة الروح وسيكون سيدنا وأبينا وبطريرك كنسية لن تقوى عليها أبواب الجحيم.
لذلك نحن مدعوون اليوم موارنة وكاثوليك ومسيحيين ولبنانيين ومشرقيين أن نرفع الصلوات ونواكب هذه المرحلة الانتقالية إيمانياً وروحياً واثقين من أن "كل شيء يعمل لصالح أتقياء الله".
المراجع:
o البطريركية المارونية – مجمع الأساقفة، أعضاء المجمع، موقع بكركي الالكتروني: www.bkerke.org.lb/arabic/index.php?option=com_content&view=category&id=49&Itemid=73
o الحياة 2011، استقالة صفير من البطريركية المارونية شفوياً والفاتيكان يتريث "في انتظار الوقت المناسب"، جريدة الحياة 17 كانون الأول
o سعود، غسان 2011، بطريرك جديد للموارنة نهاية آذار، جريدة الأخبار 18 كانون الثاني
o الشويفاتي، كلوفيس 2008، هكذا ينتخب البطريرك الماروني، لبنان الآن، الموقع الالكتروني، 19 كانون الثاني
o عطالله حداد، دنيز 2011، القصة الكاملة لاستقالة البطريرك الماروني وانتخابات المطارنة، جريدة السفير
o ليبانون فايلز 2011، قراءة في الكواليس والتحضيرات… الطريق إلى انتخاب بطريرك جديد: http://www.lebanonfiles.com/daynews.php?id=806
o مجموعة قوانين الكنائس الشرقية – الكنائس البطريركية، الفصل الأول: انتخاب البطاركة الفقرات 63-77