لم يعد هناك من امكانية للفصل بين ما هو صحافي وبين ما هو سياسي في لبنان، فحين يتخذ سياسيٌ ما موقفاً فإن خصومه قد لا يردون عليه مباشرة بل قد يتوجهون إلى الصحافة لتتولى هي الرد والتفنيد، هكذا أصبحت الصحافة في لبنان قطباً سياسياً تتجاوز فاعليتها فاعلية الأقطاب السياسيين أحياناً.
* * *
رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، منذ 14 شباط الفائت، كانت له سلسلة كلمات ومواقف وخِطب أبرزها خطاب البيال وخطاب بيت الوسط منذ أيام، لعل أهم ما في هذين الخطابين انهما يكشفان الكثير من القضايا التي بقيت مستورة على الرأي العام وعلى سياسيين كثر أحياناً.
في المنطق السياسي، إذا افترضنا أن بعض ما قاله الرئيس الحريري غير صحيح فإن العمل السياسي الشفاف يستدعي الرد عليه بالوقائع مثلما جاء كلامه متضمناً الوقائع.
مرَّ على مضمون خطاب البيال أكثر من أسبوعين فلم يتجرأ أحد على الرد عليه. عدم الرد هو حجة المشككين بأن ما ورد فيه كان صحيحاً، ثم جاء خطاب بيت الوسط، فكان عدم الرد مقياساً على ان كل ما قيل كان صحيحاً.
الخطابان أحرجا الخصوم السياسيين للرئيس سعد الحريري، فليس من السهولة دحض ما ورد فيهما من وقائع، وعليه فقد صمت السياسيون وتركوا ساحة الكلام لبعض الصحافة لا لتُقدِّم وقائع تدحض وقائع الرئيس الحريري بل لتقول بكل استسهال للأمور إن ما قاله ليس صحيحاً!
هكذا، بشحطة قلم، يُصار إلى دحض وقائع لكن من دون تقديم وقائع مضادة، فبأي منطق يمكن تبرير هذا الأداء؟
* * *
في مطلق الأحوال، وبصرف النظر عن الردود الصحافية كبديل من الردود السياسية، فإن الرئيس سعد الحريري ماضٍ في كشفه للحقائق وصولاً إلى مهرجان 14 آذار، فهل سيستمر الخصوم على صمتهم ويوكلوا مسألة الرد إلى بعض الصحافة؟
* * *
هناك الشيء الكثير الذي سيُقال حتى ذلك التاريخ، من التعطيل الذي استهدف عمل الحكومة التي تُصرِّف الأعمال اليوم، إلى (الخدع) المتلاحقة التي أدت إلى إسقاط الحكومة، هناك وقائع ستُقدَّم فكيف سيتم الرد عليها?
هل بالوقائع أم بالشتائم؟
بصرف النظر عما سيكون عليه مضمون الردود فإن مضمون الكلمات حتى مهرجان الذروة في ذكرى 14 آذار يجب أن يميط اللثام عن كل شيء، فلا شيء يعبئ الناس ويضاعف الحشود سوى كشف الحقائق، لكن هذه المرة يجب ألا يتوقف كشف الحقائق عند محطة 14 آذار بل يجب أن يستمر إلى ما بعدها، لقد اكتشف الجميع أن تعبئة الرأي العام لا تكون بالشعارات بل بالحقائق التي هي أصدق شعار.