وصف الخبير في القانون الجنائي الدولي والمحامي المعتمد لدى المحاكم الجنائية الدولية وهبي عياش، تصرف الوزراء الأربعة في حكومة تصريف الأعمال، خصوصاً وزيري الطاقة والاتصالات، وتجاهلهم التعاون مع المحكمة الدولية، بـ"التصرف الشاذ والمخالف للعرف وللمبادئ القانونية"، واستغرب تجاوب الوزير شربل نحاس مع تصريح الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله ودعوته لمقاطعة المحكمة، مشيراً الى كيفية تلقي نحاس الأوامر من رئيس حزب وليس من حكومة، ولافتاً الى أن هكذا تصرف يبرز منهجية وتعاطي الحكومة المقبلة.
وأكد عياش في حديث الى "المستقبل" أن "المحكمة الدولية سائرة وهي أهم حدث قانوني في مطلع القرن الحادي والعشرين لأنها تتوخى المثالية العليا في التقنية وأعلى معايير العدالة للإثبات".
وقال: "هذا تصرف مخالف للدستور ولأبسط قواعد الالتزام بالقواعد الدولية. الوزراء تصرفوا كأشخاص وليس كوزراء في حكومة، وإن كانت في مرحلة تصريف أعمال، فكان يجب الالتزام بقرارات مجلس الوزراء مجتمعة، إنه تصرف شاذ ومخالف للعرف وللمبادئ القانونية، لا سيما أن أحدهم، وهو زير الاتصالات شربل نحاس، تصرف بشكل مفاجئ ومستغرب، أوقف التعاون مع المحكمة الدولية تجاوباً مع ما صرّح به السيد نصرالله ودعوته الى عدم التعاون مع المحكمة، هنا نرى كيف أن وزيراً يتلقى أوامر من رئيس حزب وليس من حكومة هو وزير فيها، وهذه سابقة خطيرة لم تشهد لها أي دولة في العالم لديها قانون. وأوضح أن الوزيرين بارود والعريضي وضعوا الأجوبة أو ما يمكن أن يكون أجوبة بتصرف الحكومة كونهما بفعل النص الدستوري لا يمكنهما أن يقوما بأي عمل خارج إطار تصريف الأعمال بحكم استقالة الحكومة. بارود والعريضي لم يقولا كغيرهما أنهما لا يريدان أن يتعاطيا مع المحكمة، غير أن نحاس صال وجال وعزا عدم تعاونه وتجاوبه، ليس الى المسلكية الإدارية بل الى امتناعه ورفضه التجاوب مع قرارات المحكمة الدولية، عازياً هذا الأمر لطلب السيد حسن نصرالله. وعلى كل حال هكذا تصرف يبرز منهجية وتعاطي الحكومة المقبلة، فلا يستطيع الوزير أن يكون له قَدَم في الحكومة وقَدَم عند "حزب الله".
وأضاف: "لبنان ملتزم بموجب الدستور والمعاهدات لا سيما قرار مجلس الأمن بالنسبة الى المحكمة الدولية تحت الفصل السابع، بالتنفيذ وليس لديه غير خيار التنفيذ والتقيد بالشرعية الدولية وإلا يصبح خارجاً عن القانون ويصبح على غرار السودان والصومال وكوريا الشمالية. لبنان كمؤسس في الأمم المتحدة وموقع على معاهدات دولية بحاجة الى كل الدول، ولا نستطيع أن ننصب خيمة في الصحراء ونعلن عدم التقيد بالقوانين الدولية، فذلك يرتب على لبنان التعرض لعقوبات اقتصادية ومالية وأيضاً عقوبات إنسانية، خصوصاً وأن لبنان مديون، فإذا تعرض الى نكبة لا أحد يستطيع مساعدته لأنه يصبح خارجاً عن الشرعية الدولية".
وتابع: "لبنان ملتزم بالمحكمة الدولية ولا يستطيع الوزير أن يوقف قراراً لأنه ارتأى ذلك، هذا عقد اتفاقي مزدوج والتوقيع لا يعدل إلا بإرادة الفريقين. ويحكون عن توقيف تمويل المحكمة الدولية، هذا الشيء ولّد ردود فعل عالمية إيجابية، منذ شهر ونصف كان هناك فقط 4 دول تمول المحكمة، وأصبح الآن هناك 25 دولة أعلنت استعدادها لتمويل المحكمة الدولية، إضافة الى أن رئيس مجلس الأمن وبالاتفاق مع لبنان يقول إنه في حال تعذر تمويل المحكمة، سيتم اللجوء الى الوسائل المناسبة لتمويلها، فالمحكمة سائرة رغم كل شيء. وأنا شخصياً أدعى الى (تليتون) برنامج تلفزيوني من أجل لبنان على مدار النهار ويفتح صندوق تبرعات من أجل المحكمة الخاصة بلبنان، يعني مثل استفتاء، وهذا الشيء ليس لتمويل المحكمة مادياً ولكن معنوياً عندما الناس تختار تمويل المحكمة يكون ذلك مثل استفتاء معنوي من الشعب اللبناني بتمويل المحكمة".
وعن سؤاله عن امكان المدعي عام للمحكمة القاضي دانيال بلمار مساءلة الوزراء الأربعة، أجاب عياش: "طبعاً، يحق لبلمار بواسطة المحكمة، والمحكمة بواسطة مجلس الأمن لأنه من الشرعية الدولية، هناك تسلسل وهرمية بتنفيذ القرارات. مثال ذلك، إذا كان لدى شرطي في الانتربول مذكرة توقيف بحق شخص ولم يستطع تنفيذها فتقع على مسؤولية الدولة الموجود فيها هذا الشخص أن ينفذها، والأمر يأتي بالتسلسل من هذا الشرطي بالتراتبية الهرمية تتصاعد لتصل الى رئيس مجلس الأمن. لأن الشرعية الدولية لا فراغ فيها ليس في القوانين ولا بتنفيذها. ونلاحظ أن ما يحصل اليوم في ليبيا ودول أخرى، يبرز استعداد وتطلع الدول نحو المحاكم الدولية والشرعية الدولية التي سوف تأخذ مصداقيتها من الشعوب التي تعتبرها الملاذ الأخير إذا لم تستطيع أخذ العدالة في دولها، لا سيما وأنها تعيش تحت سيطرة أنظمة ديكتاتورية – توتاليتارية، تكون الشرعية الدولية حماة لهذه الشعوب المقهورة".
وأكّد الخبير في القانون الجنائي الدولي عدم قدرة من يشكك بمجلس الأمن على رفض الخضوع للقوانين الدولية، وقال: "لا يستطيعون رفض التجاوب، ففي حال عدم الاستجابة يصدر بحقهم قرارات غيابية تنفذ بواسطة مجلس الأمن و"الانتربول" و"الأوروبول". في لبنان هناك خارجون عن القانون أكثر مما هناك أمام المحاكم والسجون فهذا لا يعني أن هذا أمر جيد لهؤلاء. ونحن نستغرب ذعر بعضهم من المحكمة لأن مطالب الناس والوطن لا تعنيهم، فمثلاً ماذا لو أن "حزب الله" اكتشف أنه بدلاً من أن يكون بطل مقاومة وشهداؤه أبطال مؤلهين يُكتشف أنهم قتلة مأجورين وأنه حزب عصابات مسلحة، فأفضل أن لا يذهب هؤلاء الى السجن لأن المسجون لدى الدول المتقدمة مرفه. على كل حال يد العدالة طويلة والعالم حدوده مفتوحة للقوانين الدولية وتنفيذها، وسيف السلطان طويل ومسلط على رقاب الجناة".
وعما اذا كان ما حصل سيؤثر على موعد صدور القرار الاتهامي، أجاب عياش: "لا يؤثر، لكن ضخامة الملف ودقة عمل المحكمة التي تتوخى المثالية العليا في التقنية وأعلى معايير العدالة للإثبات بحيث لا تقبل قراراتها أي شك معقول، على غرار "الجوهرجي" الذي يحرص على الألماس، لأن ملايين الناس بانتظار رؤيتهما، لذلك الوقت أقل أهمية من النتيجة المتوخاة وما بقي من الوقت ليس أكثر مما مضى. والعالم سيشهد بموجب علنية المحاكمة مباشرة أرفع معايير العدل، وكمحلّف أرى أن الناس سيتأكدون أن هذه المحكمة أهم حدث قانوني في مطلع القرن الحادي والعشرين".