هل أصبحت قوى 8 آذار مع حكم الأكثرية بعدما انتقلت إليها ؟
السلاح والطائفية يحولان دون الخروج من الوضع الشاذ
هل بات تشكيل حكومة من الأكثرية مقبولاً بعدما انتقلت من 14 الى 8 آذار وكذلك اعتماد الديموقراطية العددية بدلاً من الديموقراطية التوافقية كي يصير اتفاق على اعتماد ذلك من الآن فصاعداً بحيث تحكم الأكثرية والأقلية تعارض ويصير عندئذ معنى لنتائج الانتخابات النيابية عندما يحين موعد أجرائها؟
تقول أوساط قوى 14 آذار إن قوى 8 آذار تقبل الآن ما كانت ترفضه قبلاً لأنها أصبحت أكثرية، ولولا ذلك لظلت تطالب باعتماد الديموقراطية التوافقية التي تستطيع العرقلة من خلالها وترفض ان تحكم الأكثرية من دون مشاركة الاقلية بحجّة تحقيق "الشراكة الوطنية" والحؤول دون استئثار طرف في اتخاذ القرارات ولا سيما منها المهمة وإن كان ذلك يخالف أحكام دستور الطائف.
وتساءلت الأوساط نفسها لو أن قوى 14 آذار ظلت تمتلك الأكثرية، هل كانت قوى 8 آذار تكتفي بردود الفعل التي صدرت عن قوى 14 آذار عندما سمّت الأكثرية الرئيس نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة؟ أفما كانت قامت بأكثر من 7 أيار لو تمت تسمية الرئيس سعد الحريري، وقبل ان يباشر عملية التأليف لتحول دون تمكينه من ذلك، ليس بقوة السلاح فحسب، بل بقوة "التحالف الشيعي" الذي احتكر قرار الطائفة وفرض عدم المشاركة في أي حكومة إلا بشروطه، وهو ما حصل عند تشكيل حكومات سابقة، ومن هذه الشروط تسمية الوزراء فقط والحقائب.
إلى ذلك، لا يمكن القول إن قوى 8 آذار عادت بعدما أصبحت أكثرية إلى ما ينص عليه الدستور في تأليف الحكومات وإلى النظام الديموقراطي المعمول به في الماضي، بل عادت الى ذلك موقتاً بعد انتقال الأكثرية اليها، وسوف تعود الى المطالبة بالديموقراطية التوافقية وبالثلث المعطل عند تشكيل أي حكومة إذا عادت أقلية.
لذلك لا بدّ من الدخول في بحث جدّي لاخراج لبنان من وضع شاذ لا قواعد ثابتة له، لئلا تظل قوى 8 آذار والمتحالفون معها تختار النظام الذي يلائمها وترفض ما لا يلائمها وإن خلافاً للدستور. ففي سنة 2013 تنتهي ولاية مجلس النواب الحالي ويدعى الناخبون الى انتخابات جديدة تتنافس فيها لوائح مرشحين من 8 و14 آذار، فإذا فاز فيها مرشحو 14 آذار بأكثرية المقاعد، فان قوى 8 آذار قد تعود الى عادتها فترفض أن تحكم هذه الأكثرية وحدها بحجة أنها ترى في الديموقراطية التوافقية ما يناسبها وليس في الديموقراطية العددية ما يناسب تركيبة لبنان الطائفية… فهل في إمكان قوى و14 آذار التوصل الى اتفاق على النظام الذي ينبغي اعتماده من الآن فصاعداً كي لا يبقى اعتماد ذلك استنسابياً ومزاجياً وانتقائياً من جانب الأقوى في وجه الأضعف؟
الواقع انه إذا ظل السلاح في يد فئة لبنانية من دون أخرى وظل التحالف يقتصر على مذهب من دون آخر، فسيبقى لبنان يعيش وضعاً شاذاً لا دولة قوية فيه، ولا قضاء يجرؤ على إصدار أحكام خوفاً من أي فئة مسلحة، ولا نظام ثابت يعتمد، ولا رأي يخالف رأي القوي، ولا قوة للحق في كل شيء إنما الحق للقوة، ولا معنى حتى لنتائج الانتخابات النيابية لأن الرابح فيها يتساوى مع الخاسر.
وإذا كانت قوى 14 آذار ترى أن العلّة هي في السلاح الذي تملكه فئة لبنانية، حتى إذا ما زال، صارت الدولة وحدها هي مالكة له، فإن العلّة التي تبقى بلا علاج هي علّة الطائفية إذ تشكل وحدة اي مذهب من المذاهب قوة تفوق قوة السلاح. فليس السلاح في يد الطائفة الشيعية هو وحده الذي يجعلها الأقوى بين سائر الطوائف عندما يشتد الصراع على السلطة، إنما احتكار قرار الطائفة من خلال تحالف حزبين كبيرين فيها هما "حزب الله" وحركة "أمل"، واذا كان يخشى أن تنتقل عدوى السلاح الى كل الفئات اللبنانية لكي تتساوى بالقوة عند المواجهة، فإنه يخشى أن تنتقل عدوى احتكار القرار داخل كل مذهب وطائفة فتقوم فيها تحالفات أسوة بالتحالف الشيعي بدليل ان الطائفة السنيّة كادت أن تقترب من ذلك عندما صدر عن دار الفتوى بيان تضمن ثوابت وطنية رداً على إبعاد الرئيس الحريري عن السرايا وتكليف الرئيس ميقاتي تشكيل الحكومة بقوة الترهيب والترغيب، وان قوى 14 آذار قد تجعل من هذه الثوابت بياناً لها تواجه به بيان الحكومة العتيدة وتحاسبها إذا ما خرجت عنها.
وأهم ما تضمنه بيان دار الفتوى: "تفاقم التجاوزات والاطماع باسم الطوائف ولمصلحة قوى مهيمنة فيها تعمل لاخضاع الآخرين لمنطقها السياسي في تجاوزات للدستور، فتعتمد تارة الألتفاف عليها وتارة أخرى الغلبة بالسلاح فيحصل من جراء ذلك إحساس بالغبن والاخلال بالتوازن الوطني ومحاولة زجّ لبنان في سياسة المحاور، وتجاهل نتائج انتخابات عام 2009 وتعطيل مفاعيلها، وكذلك اجتماعات الحوار الوطني". والموقف الأهم الذي احتوى عليه بيان دار الفتوى هو: "توحيد الموقف من التزام لبنان تجاه المحكمة الدولية والتحذير من اي تخل سافر او مضمر في برنامج عمل الحكومة المنوي تشكيلها عن التزامات لبنان تجاه المحكمة".
لقد قررت قوى 14 آذار فتح معركة السلاح وهي معركة قد تشتد إذا تضمن القرار الاتهامي ما يجعل المعركة تشعل حرباً داخلية حذّر النائب وليد جنبلاط منها ففضّل أن يضحي بالمحكمة وبالعدالة لتجنبها وإن كان هذا الموقف يشكل سابقة خطرة تجعل كل فئة مسلحة تهدد باشعال فتنة إذا لم يعجبها حكم يصدر عن القضاء. وعندها تسود البلاد شريعة الغاب وسنّة الأخذ بالثأر.
ومن جهة اخرى، فان السلاح وحده ليس هو العلّة والمعضلة، إنما الطائفية التي إذا ما استخدمت فإنها تكون أمضى من أي سلاح خصوصاً عندما يصبح القرار واحداً داخل كل طائفة أو مذهب بحيث لا يعود في الأمكان انتخاب رئيس للجمهورية ولا انتخاب رئيس لمجلس النواب و لا تشكيل حكومة إلا بتوافق كل المذاهب والطوائف على ذلك التزاماً بالميثاق الوطني والا ظلت البلاد تواجه أزمة مفتوحة على كل الاحتمالات، أو اصبحت بلاداً يصعب حكمها إلا إذا كانت محكمة من خارج…