#dfp #adsense

14 آذار فاتحة الزمن العربي الجديد

حجم الخط

العالم كلُّه مدهوش بالشباب العربي المنتفض. أكثر من مُعجَب. أكثر من مؤيد. مسحور بهؤلاء الذي يعترف بأن انتفاضاتهم في تونس ومصر وليبيا واليمن، وحضاريتهم وسلميتهم ووضوحهم وشجاعتهم ونبلهم، غيّرت الصورة التي كان يكوّنها عن العرب: أي الصورة التي دأبت الأنظمة الاستبدادية على تكوينها عن شعوبها: العالم، لا سيما الغرب، كان يخلط بين الأنظمة وبين شعوبها، بين 99,99 وبين الناس الذين كانوا يذهبون إلى صناديق "المبايعة" لا الانتخاب، باعتبار أن هذه الطغيانيات المستأصلة، ألغت كل مسافة بينها وبين ناسها. فهي التي تنتخبهم وليسوا هم من يفترض أن ينتخبوها. هي تعبّر عن وجودهم، بدلاً من أين يعبروا هم عن وجودهم ووجودها. هي تعاملهم كرعايا، وكأشياء وكمقتنيات وكقطعان وعليهم أن يقبلوا هذا الدور المفروض عليهم. هي تسجنهم وعليهم أن "يبوسوا" أيديها، لأنها لم تقتلهم.. تعاملهم كجُهّال وأغبياء وكقاصرين وعليهم أن يصدقوا انهم جُهال (بمن فيهم المثقفون والمفكرون والفنانون…)، وقاصرون يحتاجون إليها لكي تربيهم تربية وطنية واجتماعية وسياسية سليمة، وتروضهم على الخضوع والخنوع والصمت والتبصّر ليضمنوا سلامتهم على حساب كرامتهم وحريتهم، ومشاعرهم وانسانيتهم. فعليهم أن يكونوا لكي ترضى عنهم هذه الأنظمة الفظيعة، "مؤمنين" إيماناً عميقاً "بحكمتهم" و"عدالتهم" و"شجاعتهم" ليتحول الطغاة "آلهة" ومرشدين وخالدين ومتربصين على كراسيهم الفائضة بالدم من "الأبد إلى الأبد" لتحول هؤلاء الطغاة إلى سُلالات قدسية، وعجائبية، توّرث حقوقها الإلهية أبناءها "العظام" والقتل والسرقة من جيل إلى جيل.وعندما كانت تتململ فئة من هذا الشعب مطالبة بحدود دنيا من الحقوق البديهية، وتعبّر عن وجهة نظرها، المخالفة أو المعارضة او الناقدة، فيعني أن اللعنة الأبدية حلّت عليها، وعندها، تكال لها الاتهامات بالعمالة للخارج، وبالخيانة وضرب الاستقرار وبـ"الكلاب الضالة" وتخريب الوحدة الوطنية… وتهديد السلم الأمني والانقلاب على الدولة والقانون، لتودع السجون أو تُغتال، أو تخضع لأبشع أنواع التعذيب، والإهانة والقمع… هذه هي الأنظمة الاستبدادية التي ظنت أن آلتها المخابراتية وفسادها ونهبها، ستبقى إلى الأبد… والعالم، وخصوصاً الغرب، كان يتواطأ مع هذه الأنظمة، ويسكت عن ممارساتها، وجرائمها و"يقتنع" بالصورة التي تقدمها إليه عن شعوبها: فالنظام قوي لأن شعبه ضعيف، (لا نظام قوياً مع شعب ضعيف). هذه الصورة المشوهة التي رسمتها الأنظمة عن شعوبها، هي الصورة ذاتها التي رسمتها الوصايات المتعاقبة عن الشعب اللبناني: فإذا كانت هذه الوصايات "مرتاحة" لعلاقتها بشعوبها، وهي علاقة قائمة على الحديد والدم والاحتقار والنفي، فلماذا إذاً لا تطبق على الشعب اللبناني. وكلنا يعرف كيف كانت بعض الوصايات تشوه صورة اللبنانيين لكي تبرز وجودها، واحتلالها وحضورها وهيمنتها وفسادها حتى كاد الأقربون والأبعدون يصدقون أن الشعب اللبناني هو مجموعة شعوب، متوحشة، بربرية، ذليلة، فاسدة، متقاتلة، مفطورة على التحارب وقاصرة وطائفية ومجنونة، وهي تحتاج إلى من يرعاها وينقذها من آثامها ويردعها عن بعضها، ويضعها في سجون "العناية الفائقة أو مستشفيات. رسمت هذه الملامح عن الشعب اللبناني "المريض" لكي تكون الطبيب الذي يداوي ويشفي. وبين المصحات والمعتقلات والأقبية ويصفي من يصفي، ويقتل من يقتل… ويخطف من يخطف أمام أنظار العالم الذي كان يتواطأ مع هذه الوصاية أو تلك بل ويشكرها على مهمتها الانسانية والوطنية والطبية. لكن ماذا نفعل لهؤلاء إذا كان الشعب اللبناني قرّر ان يترجل عن حصان العذاب، وأذهل العالم كله: انتفاضة على هؤلاء كلهم. على الوصايتين أولاً وعلى الصورة "النموذجية" التي كونها العالم عنه. انتفاضة شعب على جلاديه تفجرت بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري واستمرت مع استشهاد رموز ثورة الأرز.

نعم ذهل العالم وذهل المستبدون في النظام الأمني المشترك، واكتشفوا كم هم ضعفاء أمام الشعوب عندما تحطم جدران الخوف والتردد. ملأ اللبنانيون ساحة الحرية وكل الأمكنة بالتظاهرات السلمية، السحرية، الحضارية، تظاهرات مليونية في بلد لا يتجاوز تعداد سكانه أربعة ملايين. يا للمعجزة! تظاهرات مليونية حية، بلا عنف، ولا قوة، ولا ذهنية عدوانية، ولا كليشيات بائدة، ولا تكشيرات ولا وعيد ولا حقد، أين كان هؤلاء الناس، أي قوة دفينة دفعتهم إلى الخروج؟

انها تظاهرات الخروج من زمن إلى زمن. من زمن القهر والكبت والصمت والموت إلى زمن الحرية، ومن زمن الوصايات إلى زمن السيادة ومن زمن الديكتاتورية إلى زمن الديموقراطية. انها التلاويح والرايات والوجوه التي خرجت من الظلمة إلى النور.

ولكن القوى الظلامية والكهفية وَرَثَة الأنظمة الاستبدادية والفقهية كان عليها أن ترد: ان تتشبث بالوصايات التي صنعتها، وصاغت لها أدوارها وفبركت حيثياتها، وكان ما يجب أن يكون وكما دأبت عناصر النظام الأمني على تشويه صورة اللبنانيين، وقولبة وجودهم، دأبت قوى الارتداد وبخبث مرعب وبسادية على اتهام جماهير 14 آذار ورموزها بالعمالة للخارج، والارتباط باسرائيل وأميركا… انها الأسطوانة الجاهزة، اسطوانة "بيضا فون" التي صارت "سَودا فون" مع القمصان السود والنفوس السود، والأيادي السود والأصوات السود.

والوصايات التي خرجت مهرولة من الباب دخلت من شباك 8 آذار لا سيما حزب الله الذي خوّن هذه الظاهرة الاستقلالية ليفصلها عن منحى التحرير. وهذه سابقة لم يعرفها التاريخ إلاّ مع حزب ولاية الفقيه. ولأن هؤلاء مفطورون على العنف، والعدوانية وثقافة الإلغاء، كان لا بدّ أن يبدأوا بتحضير الانقلابات ويجعلوا من شعار سلاح المقاومة ذريعة لتنفيذ خُططهم المرسومة عند الوصايتين وتهديد الناس بهذا السلاح وغزو بيروت (كما فعل شارون عام 1982) والجبل، في 7 أيار، وإقامة عراضات قوتهم "المسلحة" في مناسباتهم "الوطنية" (!) والتلويح بها لترويع الناس السلميين في 14 آذار والضغط عليهم، ليتنازلوا عن الانجازات التي حققوها (وكان بتوع 8 آذار وافقوا عليها وبصموا عليها ثم لحسوا تواقيعهم كعادتهم)، لهولاء. وهذه هي النقطة الضعيفة التي سجلتها 14 آذار: تنازلوا وهم يظنون انهم يحمون الوحدة الوطنية والبلد والسلم الأهلي.. ولكن فات 14 آذار أن الفاشيات إذا تراجع أمامها الناس تسحقهم سحقاً. وبلا رحمة، وتمشي عليهم بكل وحشيتها وجنونها وعمالتها. تنازلوا. ثم تنازلوا واعتمدوا، حرصاً على الحوار، "الخطاب الاعتذاري": يتهمهم عملاءُ الوصايتين بالعمالة، ويخونونهم، فيردون ردوداً "دفاعية" وكأنهم لم يدروا أن هؤلاء يجب أن يواجَهوا بلغتهم البذيئة القميئة والتخوينية: وقد كتبنا ذات يوم "ما أجمل الخونة عندما يخوّنون الناس"! وهكذا "استوطى" 8 آذار حائط 14 آذار، حتى بات أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله يتصرف وكأنه الرجل الوحيد في لبنان، وانه بمثابة "الاله" (بما أن حزبه حزب الله وهو أمينه العام، والمرشد والآمر الناهي… وانه لا يمنعه وازع، لا الناس، ولا الجيش ولا أحد عن انزال القمصان السود، وممارسة الترهيب للتأثير على القرارات السياسية، وآخرها ما نفذه من انقلاب عبر اسقاط الحكومة (بالخديعة والعراضات السود!) وتعيينه ميقاتي للحكومة البديلة: أي حكومة الدويلة لتحكم الدولة! نعم! كان على 14 آذار أن تدفع ثمن أخطائها،(وإن كان بعضها مبرراً) وان تأخذ "العِبَر والأبر" وان تكتشف جيداً أن حزب الله يريد خطف البلد، ليتحكَّم كانتونه بالدولة وجيشه الفئوي بالجيش اللبناني، وسلاحه بمقدرات البلد. انه درس يجب أن نتعلّمه جميعاً، وان كان علينا أن نتعلمه من الوصايات التي تعاقبت على لبنان، والتي أرادت عبر شعارات "معاداة إسرائيل" و"المقاومة" و"دحر العدو" و"السلاح المقدس" ان تهيمن على البلد.

لكن ما هو إيجابي ان 14 آذار، اعترفت بأخطائها ومارست نقداً ذاتياً، وها هي تتجدد بمواقفها الحاسمة، وبجماهيرها الرائعة الأجمل منها بالطبع، وربما الأوعى منها؛ هذه الجماهير الوطنية كانت بأحداسها وتجاربها، تعرف ان حزب الله لن تنفع معه لا الوعود (حنث بكل وعوده، والمواثيق والاتفاقات… وتملص منها، واعتبر ان من يتمسكون بها كالمحكمة والسلاح وبعض القرارات الدولية هم عملاء! تأملوا هذا الحزب الذي يحترم نفسه ولا يحترم لا توقيعاً ولا مواقفه! براو!) وكانت الانتفاضة الثانية برفض الانقلاب. وتشريعه وتكريسه، عبر عدم المشاركة بحكومة "الدويلة التي تريد أن تحكم الدولة"؟ عال! ها هم يعودون إلى جذورهم: الجماهير، العروبة، الحداثة، الحرية الكاملة، نزع كل سلاح غير السلاح الشرعي. العدالة بالمحكمة، السيادة، ورفض الوصايتين العائدتين بظفر على "أسنة" رماح وأسلحة حزب الله المقدسة! وإذا كان يوم 14 آذار 2005 تاريخياً، (الخروج من زمن إلى زمن) فان قراراهم اليوم أيضاً تاريخي بامتياز: انه لحظة الفصل بين اتجاهين: اتجاه عروبي تنويري، وطني، وحدوي، ديموقراطي، حضاري تمثله 14 آذار، واتجاه خوارجي وصائي فئوي استبدادي وظلامي تمثله 8 آذار بقيادة حزب الدويلة الذي يريد أن يحكم الدولة، وهكذا عادت قيادات ثورة الأرز لتلاقي ناسها الذين، برغم كل شيء، كانوا على انتظار وتوقع وجهوزية: فالبلاد ليست لا لخامنئي، ولا لربيبه حزب الله، ولا لأي وصاية عربية من هنا أو هناك، والجمهورية اللبنانية جمهوريتهم وليست لا جمهورية ولاية الفقيه الاستبدادية القامعة ثلاثة أرباع شعبها وقرار الحياة السلمية وقرارات الحرب والسلام بأيديها، وليست بأيدي لا أحمدي نجاد ولا بأي شخص آخر. اكثيرٌ على شعب أن يقول انه يريد أن يكون حراً، مستقلاً، ديموقراطياً، غير خاضع للدكتاتوريات الخارجية الأكثر شراسة وجنوناً وقمعاً!

هل سيقبل الناس بعد الآن ان تُعيّنَ حكوماتِهم ورؤساءَهم الإراداتُ الخارجية وهل سيقبلون بعد الآن أن تستولي على مقدرات الوطن، مشيئات خارجية، وهل سيقبل الناس بعد الآن ان يحجّوا إلى هذه المرجعية الخارجية او تلك، ليأخذوا رضاها… وينفذوا أوامرها في بلدهم! وهل سيقبل الناس ان تحولهم الوصايات بقوة السلاح والارهاب إلى الوراء: ركام شعب مشتت، مغلوب، لا حول له ولا قوة؟

بالطبع لا. فالانتفاضة لا تبدأ لتنتهي وتستكين، ولا تقوم مرة واحدة. إنها طاقة مستمرة وإرادة مستمرة، وتجارب مستمرة. ولهذا، لا نظن أن 14 آذار ستُلدغ من جحور الأفاعي مرة أخرى. ولن يصمّها فحيح الحيات والعقارب عن سماع صوتها. انها ضاربة في المستقبل. وفي الحياة. وفي التوجهات المفتوحة. وفي المعاصرة المشرعة. ولهذا، ما أقرب ثورة الأرز إلى هذه الثورات السلمية الحداثية الشبابية التنويرية العروبية الديموقراطية التي تتفجر في العالم العربي القديم، البالي، الديناصوري، الظلامي الاستبدادي. فالحرية لا يمكن أن تكون من ركام التخلف، والقرون وسطية. وهذه هي الوشائج العميقة التي تربط 14 آذار بمثيلاتها في تونس ومصر وليبيا: عالم جديد يُقوّض ركائز العالم القديم. عالم الأنظمة الستالينية، والفرانكوية والنازية… وعندما نلتفت إلى خطاب 8 آذار المستقي من صلب الدكتاتوريات المتداعية عربية كانت أم إيرانية، كم نجد إنه خطاب لا علاقة له بالعصر، ولا بالناس، ولا بالروح الجديدة التي تهب على العالم العربي، وسواه: كأنما العالم في الهواء الطلق وبتوعنا من أنظمة ومن 8 آذار تحت الأرض، في كهوف الجاهلية. ديناصورات الزمن السالف على شفير الانقراض، وكلما لجأوا إلى لغتهم الخشبية وإلى سلاحهم وقمعهم وصنمياتهم. ازداد انقراضهم وأفولهم. وعلى هذا الأساس فإن المعركة بين 14 آذار و8 آذار هي معركة بين زمنين وعالمين: زمن الانفتاح والعصرنة والتطور والتقدم والحداثة، وزمن الانغلاق. إنها لعبة البدايات عند 14 آذار ولعبة النهايات عند 8 آذار ، ومَنْ وراؤهما. ويكفي أن نتابع ما يجري في إيران اليوم، وبأي ذهنية متقادمة بائدة عوراء ومباشرة ولا إنسانية وفاسدة يعامل بها نظام ولي الفقيه (العادل والشجاع والحكيم باذنه تعالى) ناسه، ورموزه، صناع ثورة 1979 وبأي فاشية وبوليسية ستالينية يتصرف معهم، لادركنا أين يقبع هذا النظام المنقرض" الخارج التاريخ وحتى الجغرافيا" وأين العصر اليوم والعالم؟ ونظن أن "ورثة" هذا النظام المرعب عندنا لا يقلّون جنوناً ولا استكباراً ولا وهماً ولا انقراضاً عنه. ولهذا عندما صرت أسمع خطب جماعة حزب الله وهذه اللغة الخشبية الآفلة المستهلكة النمطية وكليشياتها، ومجازاتها وتعابيرها ونبراتها الصوتية الزاعقة، أتأكد كم انتقل هذا الحزب من القرن الحادي والعشرين إلى ما قبل القرون الوسطية، وحتى إلى ما قبل الثورات الاجتماعية والدينية والسياسية: كأنه بات معلقاً بين وقتين: الحاضر كذريعة والماضي كينبوع ومثال، ضارباً بعرض الحائط، اولاً: مجمل القيم التي تأسست في لبنان والنهضة العربية وأشكال التنوير الأخرى، وثانيا، ونافياً كل علاقة في جغرافيا كانتونية معزولة وعازلة ومشوهاً تاريخاً طويلاً من الانجازات الديموقراطية (النسبية) اللبنانية والانمائية: إنها عودة إلى انعزالية جديدة مرهونة لانعزالية النظام الإيراني، ومقتلعاً ناسه من الفضاء اللبناني العربي العالمي، "ليزرعه في آنية من غير تربتها ولا هوائها ولا تاريخها. وكأن الحزب رمى ناسه في أزمنة سحيقة، لا صلة لها بواقعها وبما يجري حولها وداخلها: انه الاقتلاع الأيديولوجي الأخطر في المنطقة. وهذا بالذات ما يضع حزب الله (ومن وراءه) في منحدر النهايات، وخلف الجدران تلو الجدران، والهاويات تلو الهاويات، والمنزلقات تلو المنزلقات. كأنه بات حزب "النهايات" لا حزب البدايات (تماهياً بالأحزاب السلطوية في ليبيا ومصر وتونس وإيران: وهي أنظمة متشابهة حتى التوأمة) ولهذا كأن هذا الحزب بخطابه السياسي (الصبياني أحياناً) بات يُعبّر عن ثورة مضادة ضد مكونات لبنان الثقافية والحضارية ومكتسباته وطابعه الاستثنائي. فحزب الله يريد أن يُلغي "استثنائية" لبنان بالنسبة إلى محيطه الدكتاتوري (فاشية الحزب الواحد) وتميزه ليجعله شبيهاً بهذه الأنظمة "الماضوية" الجنونية ، التوريثية، التي تحيط به وضرب أواصره العروبية تحت شعارات "ولاية الفقيه"، وسلطة الباسيج والأجهزة الأمنية، وحراس الثورات، وفرض نمط الحزب الالهي الواحد.

من هنا يتخذ الصراع بين 8 آذار وعلى رأسه، حزب الدويلة، منحى أبعد من إسقاط حكومة أو تأليف أخرى، او حتى "عدالة" موضعية، أو محكمة مطلوبة، الصراع يتخذ بُعداً مصيرياً: إما نهاية لبنان الاستثناء العروبي العالمي، الانساني التعددي، المدني، الانفتاحي، الإبداعي، الحر، المستقل، وإما نهاية سلاح يفرض على اللبنانيين أجندتهم الخارجية، وهويتهم الداخلية وتاريخهم الماضوي والمستقبلي: صراع بين التأصيل التاريخي المفتوح وبين الإلغاء التاريخي المغلق: أي بين أن نكون في مسار التاريخ ونساهم في صناعته، أو ان نكون في جمود اللاتاريخ وموته واختناقه.

هذه هي المعركة الأساسية، ولا يمكن فصل مكوناتها وأدواتها وحيثياتها: فـ 14 آذار معنية بهذا الصراع الأبعد عن الحكم، والسلطة والمحاصصة والتوزير إلى صُلب الوجود اللبناني كاستثناء عن القاعدة السائدة في الأنظمة التيوقراطية والفاشية (أنظمة 99,99 في المئة، والزعيم الخالد.. والشعب الملغى).

وإذا كانت حركة 14 آذار الاستثناء الأول في انتفاضتها على الدكتاتورية والوصايتين والنظام الأمني والفساد والقتل والتي احتوتها الانتفاضات الأخرى سواء في مشهدها التظاهري او في بنودها المتشابهة (إلغاء أنظمة الحزب الواحد والمناحي البوليسية والطوارئ والديموقراطية) فهل علينا ان نتخلف عن الركب، بعدما عصفت صورة 14 آذار في كل الانتفاضات العربية والإيرانية!

أنعود إلى انموذج الوصايات المتخلف، بعدما اجترحنا فاتحة زمن جديد اخترق الجماهير العربية… واسقط الأنظمة المشابهة لهذه الوصايات؟ هل يقبل الشعب اللبناني بعد الآن، ان يتراجع عن ثوابته الاستثنائية بعد 14 آذار ليعود إلى عهد عضوم وجميل السيد وأحمدي نجاد بما تتماثل خلفياتهم مع تعابير أنظمة القذافي والحزب الوطني في مصر، والدستوري في تونس؟ اذا كانت أنظمة العالم القديم تنهار كجبال من النفايات أننضّمُ إليها في تساقطها، بعدما كنا بوصلة الانتفاضات عليها! انستسلم لها وهي على منحدراتها؛ انتراجع أمامها وهي في تراجعاتها الأخيرة؟

انتفاضة الأرز اجترحت زمناً جديداً وعليها أن تتمسك به، بناسها، وإصرارها، ولشجاعتها وعدم تنازلاتها (المصيرية) وبايمانها بأن المستقبل في مصلحتها، وفي مسارها.. والماضي البائد من نصيب الظلاميين، وأهل الوصايات وأصحاب القمصان السود والأصابع المشهورة في الفراغ.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل